العلاقات الجزائرية مع موريتانيا والنيجر وغيرها.. النموذج الأمثل
جاء قرار الجزائر ومالي الأخير إعادة فتح المجال الجوي بين البلدين وعودة السفيرين إلى منصبيهما ليفتح المجال أمام تحسين العلاقات بين البلدين اللذين يجمعهما جوار مباشر وحدود برية طويلة، كما أن تطورات الوضع في شمال مالي ترتبط بصورة مباشرة بأمن الحدود الجزائرية، وهو ما يجعل التضامن والتنسيق الخيار الذي آمنت به الجزائر دائما، وذلك ضمن رؤية شاملة تضع المصالح العليا لمنطقة الساحل على رأس الأولويات.
تتعامل الجزائر مع المنطقة باعتبارها امتدادا مباشرا لأمنها الوطني والإقليمي، لذلك تعمل على بناء علاقات مستقرة مع دول الجوار تقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم الحلول السياسية للأزمات، إلى جانب إطلاق مشاريع اقتصادية وتنموية تساعد هذه الدول على تحسين أوضاعها الداخلية وتقوية مؤسساتها.
وتقوم المقاربة الجزائرية على أن الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب لا تنتشر بسبب ضعف الرقابة الأمنية فقط، بل تجد مجالا للتحرك في المناطق التي تعاني من الفقر والبطالة وغياب الخدمات الأساسية والتهميش السياسي، لهذا تؤكد الجزائر باستمرار أن الحل العسكري وحده لا يستطيع معالجة أزمات الساحل، وأن استعادة الأمن تحتاج إلى تنمية محلية، ومشاريع اقتصادية، وتعاون بين دول المنطقة.
كما ترفض الجزائر التدخلات العسكرية الأجنبية التي تزيد الأوضاع تعقيدا، وترفض تحويل دول الساحل إلى مناطق صراع بين القوى الدولية، أو فتح المجال أمام الميليشيات والشركات العسكرية الأجنبية، لأن تعدد الأطراف المسلحة لا يساعد على بناء الاستقرار، بل يؤدي في كثير من الحالات إلى إضعاف مؤسسات الدول وتهديد وحدتها وسيادتها وأمن جيرانها.
النيجر نموذج للتعاون القائم على المشاريع
وبشكل عام، تقدم علاقات الجزائر مع بعض دول الجوار على غرار موريتانيا والنيجر، النموذج الأمثل، على ما يمكن للتعاون والروابط الأخوية والتاريخية التي تجمع دول المنطقة أن تحققه على أكثر من صعيد خاصة التنمية.
وتقدم العلاقات الجزائرية النيجرية خلال الفترة الأخيرة صورة واضحة عن هذا التوجه، حيث تجسد التعاون في مشاريع عملية تمس قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنفط والغاز، إلى جانب استمرار وتعزيز التشاور السياسي والأمني.
وفي سياق متصل، دخلت محطة توليد الكهرباء «التضامن» بمنطقة غورو باندا في نيامي مرحلة الإنتاج خلال جوان الماضي، وهي محطة أنجزتها سونلغاز الدولية بقدرة تبلغ 40 ميغاواط، وتسمح بتوفير الكهرباء لأكثر من مليون مواطن في النيجر، كما تمثل نسبة معتبرة من إنتاج الكهرباء في البلاد.
بالإضافة إلى ذلك، يمثل أنبوب الغاز العابر للصحراء أحد أكبر المشاريع الإقليمية التي تجمع الجزائر والنيجر ونيجيريا، حيث ينطلق الأنبوب من نيجيريا، ويمر عبر الأراضي النيجرية، ثم يصل إلى الجزائر التي تتوفر على شبكة واسعة لنقل الغاز نحو الأسواق الدولية.
وتقدر طاقة الأنبوب عند استكماله بما يتراوح بين 20 و30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، ويمكن أن يوفر للنيجر مداخيل مرتبطة بمرور الغاز، إلى جانب الاستثمارات وفرص العمل والمنشآت التي ترافق إنجازه.
وقد شرعت الجزائر في تنفيذ الجزء الواقع داخل أراضيها، وهو ما يعكس الانتقال بالمشروع من مرحلة المشاورات السياسية إلى مرحلة العمل الميداني، كما تواصل الدول الثلاث تنسيق الجوانب التقنية والمالية المتعلقة به. وبالنسبة للجزائر، لا ينحصر هذا المشروع في نقل الغاز نحو أوروبا، بل يشكل أيضا وسيلة لربط مصالح الدول الثلاث، لاسيما وأن المشاريع المشتركة تدفع نحو تنسيق أكبر في مجال حماية الحدود وتأمين المنشآت ومكافحة الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب.
علاقات متوازنة مع دول المنطقة
علاوة على ذلك، لا تقتصر تحركات الجزائر في الساحل على النيجر ومالي، بل تعمل على توسيع التعاون مع تشاد وموريتانيا وبقية الدول الإفريقية المجاورة، وذلك من خلال تكثيف الزيارات المتبادلة، وفتح المعابر، وتشجيع التجارة البينية وربط الأسواق، وتقديم الخبرة الجزائرية في مجالات الطاقة والتكوين والصحة والتعليم.
كذلك، يشكل الطريق العابرة للصحراء ومختلف مشاريع الربط البري أدوات مهمة لتسهيل حركة الأشخاص والسلع بين الجزائر وعمقها الإفريقي، خاصة أن تحسين الطرق والمعابر يقلل من عزلة المناطق الحدودية، ويفتح فرصا أمام النشاط التجاري القانوني، ويحد من اعتماد السكان على التهريب.
كما أن الجزائر تملك حدودا برية واسعة مع عدد من دول الساحل، وهو ما يجعل أمن هذه الدول مرتبط بصورة مباشرة بأمنها، لذلك تعتمد على التنسيق الأمني وتبادل المعلومات، لكنها تضع في الوقت نفسه التعاون الاقتصادي في صلب علاقاتها مع المنطقة.
أما بالنسبة لمالي، فإن إعادة فتح المجال الجوي وعودة السفيرين يمكن أن تشكلا بداية لاستعادة الحوار، خاصة أن الجزائر لعبت طوال عقود دورا في الوساطة بين الأطراف المالية، بداية من اتفاق تمنغاست سنة 1991، وصولا إلى اتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر سنة 2015.



