ليس من حقِّ الجاهل أن يتدثَّر بعباءة الثقافة، أو أن ينتحل صفة العارف، أو أن يتوهَّم امتلاك الحقيقة المطلقة؛ كما ليس من حقِّه أن ينصِّب نفسه ناطقًا باسم الآخرين، أو وصيًّا على وعيهم، أو ممثلًا لإرادتهم في البرلمانات والنقابات والجمعيات.
المأساة تبدأ حين يُغلِّف ادعاءه بقشرةٍ من الزيف، ويغشاه بغبار الأوهام وغبش الرؤية، ثم يراكم فوقه من الالتباسات والتناقضات ما يجعل منه نموذجًا صارخًا للوعي الزائف، وللانفصال التام بين الادعاء والحقيقة.
وما أشدَّ قسوة المفارقة حين يتقدَّم هؤلاء المتثاقفون والمتعالِمون لتمثيل الناس قسرًا، وهم عاجزون عن بناء جملةٍ سياسية رصينة، أو صياغة فكرةٍ معرفية متماسكة، أو إنتاج خطابٍ ثقافي يرقى إلى الحد الأدنى من الاتساق، بل إنهم يعجزون حتى عن اتخاذ موقفٍ واضح يستند إلى مبدأ أو رؤية أو مسؤولية أخلاقية.
ولولا ما أصاب الثقافة العربية من تصدُّع في بنيتها، ووهنٍ في مشروعها، وتهميشٍ لدورها، وانحسارٍ لسلطتها المعرفية والأخلاقية، لما وجد هذا النمط من الأدعياء منبرًا يعتليه، ولا جمهورًا يُصغي إليه، ولا فضاءً يروِّج فيه خواءه الفكري. فحين يضعف معيار الكفاءة، ويرتفع ضجيج الادعاء، يصبح الزيف أكثر حضورًا من الحقيقة، ويغدو الجهل متزيِّنًا بثياب المعرفة.
ولعلَّ أكثر ما يبعث على الأسى أن الحياء، الذي كان يومًا ضابطًا أخلاقيًّا يحول دون تطاول الجاهل على ما ليس له، قد انحسر حتى كاد يتلاشى. ولذلك لم يعد مستغربًا أن نرى من يتصدر المشهد وهو يفتقر إلى أبسط مقومات الفكر والثقافة. وصدق المثل العربي البليغ: «لقد مات الذين كانوا يستحيون». إذا أردت، أستطيع أيضًا أن أصوغ هذا النص بأسلوب أكثر اقترابًا من محمد عابد الجابري، يمزج بين التحليل الفلسفي والنقد الحضاري بعيدًا عن اللغة الانفعالية المباشرة.







