إنشاء صناعات جديدة قائمة على التكنولوجيا النظيفة
فرصة لتنويع الاقتصاد الوطني والتقليص التدريجي للاعتماد على المحروقات
أفاد مدير معهد العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير بالمركز الجامعي، المقاوم الشيخ آمود بن مختار في ولاية إيليزي، الدكتور شين خثير، أنّ الزيارة الرّسمية التي قادت رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، اكتسبت أهمية اقتصادية واستراتيجية قصوى، بالنظر إلى مكانة ألمانيا كأكبر اقتصاد في أوروبا وأحد أهم الشركاء الاقتصاديّين للجزائر داخل الاتحاد الأوروبي.
كشف الدكتور شين خثير، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ هذه الزيارة الناجحة على كافة الأصعدة أتت في ظرف دولي يشهد اضطرابات جيوسياسية وتحوّلات متسارعة في أسواق الطاقة، وتزايد الاهتمام العالمي بالانتقال الطاقوي، الأمر الذي يمنح العلاقات الجزائرية-الألمانية بُعدًا جديدًا يتجاوز التعاون التقليدي في مجال المحروقات.
ونوّه خثير بتوقيع عقد جديد بين مجمّع «سوناطراك» الجزائري وشركة «VNG» الألمانية لتوريد الغاز الطبيعي، وهو ما يؤكّد استمرار الثقة الألمانية في الجزائر كمورّد موثوق، خاصة في ظل سعي أوروبا إلى تنويع مصادر تموينها وتعزيز أمنها الطاقوي. كما يعكس هذا الاتفاق استقرار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ليعزّز من مكانة الجزائر كشريك استراتيجي قادر على الاستجابة لاحتياجات الأسواق الأوروبية على نحوٍ أوسع وأشمل.
ومن جهة أخرى، تكمن الأهمية الأعمق لهذه الزيارة في انتقال التعاون الثنائي إلى قطاعات المستقبل، وعلى رأسها مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين الأخضر، الذي يعد أحد أهم المشاريع الطاقوية المنتظرة بين شمال إفريقيا وأوروبا؛ ذلك أنه يفتح أمام الجزائر آفاقا جديدة للتحول من مصدّر للغاز الطبيعي إلى منتج ومصدّر للهيدروجين، مستفيدة من الإمكانات الشمسية الهائلة المستديمة التي تزخر بها، ومن خبرتها الطويلة في مجال الطاقة، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يجعلها بوابة طبيعية نحو السوق الأوروبية، بحسب قوله.
ويُمثِّل هذا التّحوّل، مثلما أضاف محدثنا، فرصة استراتيجية لتنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد التدريجي على عائدات المحروقات التقليدية، من خلال إنشاء صناعات جديدة قائمة على التكنولوجيا النظيفة، وجذب استثمارات أجنبية في مجالات إنتاج الهيدروجين وتخزينه ونقله، بما يُسهم في خلق قيمة مضافة ومناصب شغل نوعية في الجزائر.
كما يعكس توسيع التعاون الذي يشمل الجوانب المناخية والابتكار وتوطين التكنولوجيا، رؤية مشتركة تقوم على جعل التحول الاقتصادي ركيزة لبناء منظومة تنموية مستدامة تستند إلى المعرفة والبحث العلمي، حيث يكتسي في هذا الإطار مشروع تطوير المقاولاتية الرّقمية والخضراء في الجزائر أهمية خاصة، باعتباره خطوة عملية لدعم المؤسّسات الناشئة المبتكرة، وتشجيع الشباب على تطوير حلول رقمية وبيئية تستجيب لمتطلبات الاقتصاد الحديث، بما يعزّز بيئة الابتكار ويرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني في المدى القريب، وفقًا لشين.
كما توقّع المصدر ذاته، أن يساهم هذا التعاون بين البلدين الصديقين، في نقل وتوطين التكنولوجيا والخبرات الألمانية إلى الجزائر، سواء في مجالات الطاقات المتجدّدة أو الرقمنة أو الصناعات الخضراء، وحتى الصناعات التحويلية والميكانيكية والتعدينية والدوائية، وهو ما يتماشى مع توجّه الدولة الجديد نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة، يعتمد على المعرفة والابتكار، إلى جانب استغلال الموارد الطبيعية بشكلٍ أمثلٍ.
وبناءً على ذلك، أظهرت زيارة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى برلين، أنّ العلاقات الثنائية دخلت مرحلة جديدة تقوم على المصالح الاستراتيجية المتبادلة بعيدة المدى، والتعاون أصبح يشمل الاستثمار في اقتصاد المستقبل، القائم على الطاقة النظيفة، والابتكار، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال. وإذا ما أُحسن استثمار مخرجات هذه الزيارة التاريخية، فإنها قد تُشكِّل نقطة تحول نوعية في مسار الشراكة الجزائرية-الألمانية، وتفتح أمام الجزائر فرصًا واعدة لتعزيز مكانتها كمحور متوسطي وإفريقي للطاقة والصناعة والاقتصاد الأخضر، بما ينسجم مع رؤيتها لتنويع مصادر دخلها القومي وتحقيق تنمية مستدامة، يذكر الدكتور خثير.
للتذكير، قام رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بزيارة رسمية إلى ألمانيا، تلبية لدعوة من صديقه الرئيس الألماني، السيد فرانك فالتر شتاينماير، وتوِّجت بإصدار إعلان مشترك بشأن أجندة استراتيجية للشراكة الثنائية بين الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وجمهورية ألمانيا الاتحادية. كما تمّ خلال أشغال المنتدى الاقتصادي الجزائري -الألماني، المنعقد بالعاصمة برلين خلال زيارة رئيس الجمهورية، التوقيع على أكثر من 30 اتفاقية ومذكّرة تفاهم تتعلّق بقطاعات استراتيجية واعدة، وذلك بحضور كبار المسؤولين، ومشاركة رجال أعمال ومستثمرين من البلدين، كان من بينها التوقيع على مذكّرة تفاهم بين سوناطراك وشركة «VNG» الألمانية، تتعلّق بالشروع في مفاوضات لتجديد عقد تصدير الغاز وزيادة كمّياته المُصدّرة.





