التنميـــــة في الساحـل خيـــار أساسـي لترسيــخ الأمـــن والاستقــــرار
كشفت الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر عن إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى جديد، من خلال توسيع مجالات التعاون بما يخدم مصالح البلدين، وفق مبدأ «رابح-رابح».
جسّدت زيارة العمل والصداقة، عودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، واستئناف ديناميكية الصداقة وحسن الجوار التي تؤطّرها معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقّعة في أكتوبر 2002، والتي أعيد تفعيلها في مارس 2026، ليؤكّد البلدان دخولهما مرحلة جديدة من الشراكة الثنائية.
وأكّدت الجزائر وإسبانيا تمسّكهما بمتانة العلاقات التي تجمعهما، مع إبداء عزمهما على تعزيزها وتوسيع آفاقها. ففي الوقت الذي تسعى فيه إسبانيا إلى ضمان أمنها الطاقوي، حملت الزيارة معها اهتماماً متزايداً بتوسيع الاستثمارات في قطاعات متنوعة، مع تأكيد مدريد أنّ الجزائر تمثل شريكاً استراتيجياً ومورداً موثوقاً للطاقة، واستعدادها لتطوير مشاريع تعاون جديدة تعود بالنفع على الطرفين.
وفي المقابل، تواصل الجزائر إبراز أولوياتها الاقتصادية القائمة على تشجيع الاستثمار المنتج في القطاعات الاستراتيجية، وتطوير البنى التحتية، وتعزيز الأمنين الغذائي والمائي، بما يدعم بناء اقتصاد متنوّع وأكثر قدرة على مواجهة التقلّبات والأزمات الدولية، ويكرّس استقلالية القرار الاقتصادي.
وبرز الأمن الطاقوي مجدّداً كإحدى الرّكائز الأساسية للدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية، التي عزّزت حضورها في أوروبا عبر شراكات متنامية مع إيطاليا وسلوفينيا وألمانيا وإسبانيا. وأسهمت هذه السياسة في ترسيخ مكانة الجزائر مورداً موثوقاً للطاقة، بفضل التزامها باستقرار الإمدادات، في ظل اضطرابات متواصلة تشهدها أسواق الطاقة العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، أكّد رئيس الوزراء الإسباني أنّ «الجزائر هي المورّد الأول لإسبانيا بالغاز الطبيعي خلال عام 2026، في ظل ظروف استثنائية تشهدها الأسواق الدولية، ونحن نقدّر عالياً مكانة الجزائر كشريك استراتيجي وموثوق». كما أبرز رغبة البلدين في توسيع التعاون ليشمل مجالات الانتقال الطاقوي، والابتكار التكنولوجي، ورقمنة البنى التحتية، إلى جانب الصناعة، والصناعات الغذائية، والخدمات، ومشاريع البنية التحتية.
ومن جانبه، دعا رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى «توسيع وتكثيف التعاون القطاعي، وفتح آفاق جديدة لتعزيز الشراكات، واستغلال الفرص الاستثمارية القيمة التي توفّرها الجزائر بما يحقّق المنفعة للجانبين». وتعكس هذه الدعوة تمسّك الجزائر بمبدأ الندية والمعاملة بالمثل في علاقاتها الاقتصادية، وحرصها على إقامة شراكات قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وهو توجّه أكّد عليه رئيس الجمهورية في العديد من المناسبات.
تطابق في الرؤى بشأن القضايا الدولية
على الصعيدين السياسي والأمني، عبّر البلدان عن إرادة مشتركة لتعزيز التنسيق الثنائي إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك. وفي مجال مكافحة الفساد، دعا رئيس الجمهورية إلى تعزيز التعاون القضائي مع إسبانيا، خاصة في ما يتعلّق باسترجاع الأموال الجزائرية المنهوبة والمهرّبة، من خلال تسريع إجراءات الإنابات وطلبات المساعدة القضائية المتبادلة، مشيداً بتجاوب السلطات الإسبانية مع طلبات سابقة أسهمت في استعادة جزء من تلك الأموال.
من جهته، شدّد رئيس الوزراء الإسباني على أهمية توثيق التعاون بين البلدين على الساحة الدولية، باعتبار الجزائر وإسبانيا جسرين طبيعيّين يربطان أوروبا بإفريقيا. وأكّد أنّ الجزائر تمثل بوابة استراتيجية نحو القارة الإفريقية، وتضطلع بدور محوري في استقرار منطقة الساحل، بينما تواصل إسبانيا، في إطار استراتيجيتها تجاه إفريقيا للفترة 2025-2027، تعزيز شراكاتها مع الدول الإفريقية.وفي ما يتعلق بالأوضاع الإقليمية، أظهر الجانبان تقارباً في الرؤى إزاء عدد من القضايا الدولية والإفريقية، مع التأكيد على أنّ تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الساحل يمر عبر دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير فرص الاستثمار والتنمية المحلية، بما يجعل المقاربة التنموية ركيزة أساسية لمعالجة التحديات الأمنية وترسيخ الاستقرار المستدام.



