غيّب الموت هذا الأسبوع، المؤرخ والباحث في الثقافة والتراث الشعبي الأستاذ يوسف أوراغي، أحد أبرز الوجوه التي كرّست مسارها لخدمة الذاكرة الثقافية لولاية البليدة، وجمع تفاصيل تاريخها وموروثها الشعبي، لتفقد مدينة الورود برحيله واحدا من أمناء ذاكرتها الحية.
وقد نعى قطاع الثقافة والفنون لولاية البليدة الفقيد، مشيدا بما قدّمه من جهود في توثيق التراث المحلي، والعادات والتقاليد الشعبية، والتعريف بتاريخ المدينة وهويتها الثقافية، مؤكدا أن الراحل أفنى عمره في خدمة ذاكرة المنطقة وصون موروثها من الاندثار.
أرشيـــف شخصـي يحفـــظ تاريـــخ مدينــــة
لم يكن يوسف أوراغي مجرد مهتم بتاريخ البليدة، بل تحوّل، على امتداد سنوات طويلة، إلى مرجع للباحثين والطلبة والإعلاميين وكل المهتمين بتاريخ المدينة وتراثها. وقد اشتهر بلقب “ذاكرة البليدة”، لما كان يمتلكه من معرفة واسعة بتفاصيل تاريخها ومعالمها وأحيائها وشخصياتها وعاداتها وتقاليدها.
وبدأ شغفه بجمع الصور والوثائق منذ سنوات شبابه، قبل أن يتحوّل هذا الاهتمام إلى رصيد أرشيفي ثمين يوثق مختلف المراحل التي مرت بها المدينة، ووفق ما نقلته (وكالة الأنباء الجزائرية) سابق، فقد كان الفقيد يحتفظ بصور ووثائق نادرة، من بينها مخططات لمدينة البليدة تعود إلى سنة 1842، إلى جانب ألبومات توثق معالمها وأبوابها السبعة ومساجدها وأحيائها العريقة وشخصياتها البارزة.
وكان الراحل يرى في هذا الأرشيف وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية وإتاحتها للأجيال الجديدة، فاشتغل على جمع وتوثيق مظاهر الحياة اليومية والعادات الاجتماعية والطقوس الشعبية، من حفلات الزواج والختان إلى العادات الرمضانية والأطباق التقليدية، باعتبارها جزءا من هوية المجتمع المحلي وموروثه غير المادي.
من الدويـرات إلى أبـــــواب البليـــــدة.. ذاكــــــرة تتحــــــدّث
ارتبط اسم يوسف أوراغي، بشكل خاص، بتاريخ الأحياء العريقة والمعالم التي تختزن ذاكرة
المدينة. وكان من أبرز المهتمين بحي “الدويرات” المعروف أيضا بـ«قصبة البليدة” أو “حي أولاد السلطان”، حيث وثّق خصوصياته العمرانية وتاريخه، وتحدث عن بيوته ذات الطابع الأندلسي، وفناءاتها الداخلية المعروفة محليا بـ«وسط الدار”، فضلا عن ارتباط الحي بتاريخ الفن الشعبي والأندلسي والحركة الثقافية والدينية في المدينة.
كما أسهمت رواياته ومعرفته الميدانية في التعريف بعدد من المعالم والشخصيات والأحداث التي طبعت تاريخ البليدة، وظلّ حاضرا في الندوات والبرامج الإعلامية واللقاءات الثقافية التي تناولت تاريخ المدينة وتراثها، وفي جانفي 2026، استُضيف في برنامج للإذاعة الجزائرية للحديث عن التراث البليدي، وهو ما يؤكد استمرار حضوره في المشهد الثقافي إلى وقت قريب من رحيله.
ولم تقتصر مساهماته على الحديث عن الماضي، بل كان يحمل هاجس نقل الذاكرة إلى المستقبل، وتعريف الأجيال الجديدة بهويتها، والتنبيه إلى ضرورة حماية الأرشيف المحلي والمعالم التاريخية والعادات التي تواجه خطر النسيان..
وبرحيل يوسف أوراغي، لا تفقد البليدة باحثا ومهتما بتاريخها فحسب، بل تفقد أيضا ذاكرة حية حملت في تفاصيلها صور المدينة وأحياءها وشخصياتها وطقوسها، وظلّت شاهدة على مراحل من تاريخها الثقافي والاجتماعي.
وبينما تودع الأسرة الثقافية أحد أبنائها، تظل المهمة التي نذر لها الراحل حياته قائمة: حفظ الذاكرة، وصون التراث، وتحويل ما تبقى من تفاصيل الماضي إلى جسر يصل الأجيال بعضها ببعض.







