تحويـــل المعـدن النفيس إلـــــى عمـــل فنـي متكامــــل
في أزقة المدينة العتيقة بقسنطينة، حيث تتكئ البيوت القديمة على ذاكرة قرون من الحضارة، لا يزال بريق الذهب القسنطيني يروي فصولًا من تاريخ مدينة عُرفت بذوقها الرفيع وحرفييها المهرة، وبين أصوات المطارق الخفيفة ورائحة الورشات العتيقة، تتواصل حكاية “الفتلة”؛ تلك التحفة الذهبية التي تجاوزت مفهوم الزينة لتصبح رمزًا للهوية والانتماء وقطعةً من الذاكرة الجماعية للمرأة القسنطينية.
ارتبط تاريخ الصياغة التقليدية في قسنطينة بأسماء عائلات كرست حياتها للحفاظ على هذا الفن، فصارت مرجعًا في صناعة الحلي التقليدية، ومن بين هذه الأسر تبرز عائلة لمنيعي التي ذاع صيتها بفضل دقة الصنعة وإتقان النقوش، إلى جانب عائلات أخرى مثل بوزيان وسليماني التي أسهمت في ترسيخ مكانة الذهب القسنطيني داخل الجزائر وخارجها.
ويؤكد الحرفي “بوبنيدر ابراهيم” أن المهنة لم تكن يوما مجرد نشاط تجاري، بل إرثا ثقافيا تتناقله الأجيال، قائلا: “أن كل قطعة نصنعها تحمل جزءا من روح قسنطينة، الفتلة ليست مجرد ذهب، بل حكاية عرس وفرحة عائلة وذكرى تتوارثها النساء عبر الزمن”، مضيفا أن القيمة الحقيقية للذهب القسنطيني لا تقاس بوزنه، وإنما بما تختزنه القطعة من عمل فني ودقة متناهية جعلتها تحظى بمكانة خاصة ضمن التراث الجزائري.
«الفتلــــة”… تـــاج يزيـن العــــروس ويحفـــظ الذاكــرة
عندما يحين موعد الزفاف في قسنطينة، تبقى “الفتلة” الضيفة الأبرز في جهاز العروس، فهي قطعة فريدة تتكون من خيوط ذهبية مضفورة بعناية فائقة، تعكس مهارة الصائغ وجمال الذوق القسنطيني، ويرى السيد ابراهيم بوبنيدر صاحب محل للمجوهرات التقليدية، أن الفتلة لا تزال تحافظ على مكانتها رغم تغير الأذواق وتنوع التصاميم الحديثة، موضحا أن الكثير من العرائس يصررن على اقتنائها لأنها تمثل امتدادًا للهوية العائلية وارتباطًا بتراث المدينة، ليضيف أن الفتلة ليست مجرد قطعة ترتدى يوم الزفاف، بل تصبح جزءا من الميراث العائلي الذي ينتقل من الأم إلى ابنتها، حاملاً معه قصص الأجيال السابقة.
”المحزمــة” و”البقاط”… قطــع تـروي مكانـــــة العائلـة
ولا تقتصر خصوصية الذهب القسنطيني على الفتلة وحدها، بل تشمل مجموعة من القطع التقليدية التي اشتهرت بقيمتها الفنية والرمزية، فـ “المحزمة” تعد من أبرز العقود التقليدية التي تزين العنق بطبقات متناسقة من الذهب، بينما يحتل “البقاط” مكانة خاصة ضمن حلي العروس القسنطينية لما يتميز به من فخامة وحضور لافت.
كما تبرز “الجرارة” كسلسلة ذهبية طويلة ترتدى على عدة طبقات، مشكلة لوحة متكاملة من الأناقة التقليدية، وتوضح الحرفية زهور، المتخصصة في ترميم الحلي القديمة، أن هذه القطع كانت تعكس في الماضي مكانة الأسرة ومكانتها الاجتماعية، مضيفة “ان كانت الجدة تسلم قطعها لبناتها وحفيداتها، فتنتقل معها الذكريات والقيم العائلية. لذلك ما زالت بعض النساء تحتفظن بقطع يعود عمرها إلى عشرات السنين.”
النقش اليدوي.. لغة الفن فوق الذهب
ما يمنح الحلي القسنطينية خصوصيتها الحقيقية هو فن النقش اليدوي الذي يزين مختلف القطع بزخارف مستوحاة من التراث الأندلسي والفنون العربية الإسلامية، ويؤكد الحرفي الشاب شمس الدين لخضري أن الصائغ القسنطيني لا يصنع الذهب فحسب، بل يحوّل المعدن النفيس إلى عمل فني متكامل، قائلاً: “نحافظ على الأسلوب التقليدي الذي ورثناه عن الأساتذة القدامى، لكننا نحاول أيضًا تطوير التصاميم لتتلاءم مع أذواق الجيل الجديد”.
ورغم ما تحظى به من مكانة ثقافية وتراثية، تواجه صناعة الذهب التقليدي تحديات عديدة، أبرزها الارتفاع المستمر لأسعار الذهب وتراجع إقبال الشباب على تعلم المهنة، إضافة إلى المنافسة التي تفرضها المنتجات العصرية المصنعة آليا، وفي هذا السياق، تعمل غرفة الصناعات التقليدية إلى أن الجهود تتواصل من أجل تثمين هذا الموروث والحفاظ عليه، من خلال برامج التكوين والتأهيل وتشجيع الشباب على الالتحاق بالمهنة، فضلا عن العمل على تعزيز مكانة “الفتلة القسنطينية” كعنصر من عناصر التراث الثقافي غير المادي.
بريـــــق لا يخفـــــت مـع الزمـــن
في قسنطينة، لا يختزل الذهب في قيمته المادية، بل يتحوّل إلى وعاء للذاكرة ومرآة لروح المدينة، فالفتلة والمحكمة والبقاط ليست مجرد حلي تتزين بها النساء، وإنما صفحات من تاريخ اجتماعي وثقافي عريق، حافظت عليه الأمهات والجدات جيلاً بعد جيل، وهكذا يظل الذهب القسنطيني، بخيوطه الدقيقة ونقوشه المتقنة، شاهدا على مدينة استطاعت أن تحوّل المعدن النفيس إلى هوية، وأن تصوغ من الذهب ذاكرة لا يبهت بريقها مهما تعاقبت الأزمنة.







