يُعدّ المجاهد الشيخ سعيد الحاج محمد بن إبراهيم كعباش، الذي وافته المنية الجمعة الماضي عن عمر ناهز 97 سنة، أحد الوجوه العلمية والدعوية البارزة في الجزائر، بعدما أفنى عقودا في خدمة القرآن الكريم والتعليم والإصلاح، وخلّف مسارا حافلا بالعطاء وإرثا علميا وفكريا امتد أثره إلى أجيال من طلبة العلم وتلامذته.
وُلد الشيخ سعيد الحاج محمد بن إبراهيم سنة 1929 بمنطقة العطف بولاية غرداية، ونشأ في بيئة ميزابية عُرفت بعنايتها بالعلم والتعليم وحفظ القرآن الكريم. ومنذ سنواته الأولى، ارتبط بالدرس القرآني والتكوين العلمي، قبل أن يلتحق بمعهد الحياة بالقرارة، أحد أبرز صروح التعليم في منطقة وادي ميزاب، ثم يواصل تحصيله بجامع الزيتونة في تونس، ولم يتوقف تكوينه عند حدود التعليم التقليدي، إذ توّج مساره الأكاديمي بحصوله على شهادة الليسانس في اللغة والأدب العربي من جامعة الجزائر سنة 1972، ليجمع بين التكوين الشرعي واللغوي والأدبي، وهي روافد انعكست لاحقا على تجربته في التفسير والخطابة والتأليف.
في ثورة التحرير الوطني
ارتبط الشيخ كعباش بقضايا وطنه منذ مرحلة الحركة الوطنية، حيث انخرط في صفوفها وشارك في الثورة التحريرية، جامعا في مسيرته بين طلب العلم والاضطلاع بالواجب الوطني، وبعد استرجاع الجزائر استقلالها، كرّس جهوده للتعليم والتوجيه والإصلاح، من خلال الدروس والخطب والعمل التربوي والاجتماعي، وظلّ حاضرا في المشهد العلمي والدعوي لمنطقة غرداية على مدى عقود.
عُرف الشيخ كعباش بخطابه المؤثر واهتمامه بنشر قيم الاعتدال والوسطية، مع الحرص على ربط التوجيه الديني بقضايا المجتمع وأخلاقه وتحدياته، كما تولى رئاسة «جمعية النهضة» خلال الفترة الممتدة من 2002 إلى 2006، وهي محطة واصل خلالها نشاطه العلمي والتربوي والدعوي، وأسهم في تعزيز قيم التماسك الاجتماعي وخدمة المجتمع.
«نفحات الرحمن».. حياة في رحاب القرآن
يرتبط اسم الشيخ سعيد الحاج محمد بن إبراهيم كعباش، بصورة خاصة بمشروعه التفسيري «نفحات الرحمن في رياض القرآن» الذي يمثل ثمرة سنوات طويلة من الاشتغال على كتاب الله، ويعكس عنايته بالتفسير واللغة والبعد التربوي للآيات القرآنية.
وقد تجاوز الاهتمام بهذا العمل حدود القراءة العامة، ليصبح موضوعا لدراسات أكاديمية تناولت منهجه في التفسير، ومن بينها دراسة جامعية أنجزها الباحث إبراهيم بن سيف بن مهنا العبدلي عام 2024 بعنوان «منهج الشيخ محمد سعيد كعباش في تفسيره نفحات الرحمن في رياض القرآن: سورة البقرة أنموذجا».
كما تناولت دراسة منشورة في مجلة «الواحات للبحوث والدراسات» عام 2020 توظيف الشواهد الشعرية في تفسيره، مبرزة حضور الشاهد الشعري كأداة تخدم الدرس اللغوي وتسهم في توضيح معاني النص القرآني.
وتكشف هذه الأعمال عن خصوصية منهجه في التفسير، إذ جمع بين علوم القرآن وأدوات اللغة والأدب، واستفاد من الشاهد الشعري في مقاربة المعاني ودلالات النص.
مؤلفات في قضايا الدين والمجتمع
لم تقتصر تجربة الشيخ كعباش على التفسير، فقد خلّف عددا من المؤلفات التي تعكس اهتمامه بالإصلاح الديني والاجتماعي وقضايا المجتمع، من بينها «صرخات على مسرح المجتمع» و»جيل النهضة والإصلاح».
ويكتسي كتاب «جيل النهضة والإصلاح» أهمية خاصة من حيث صلته بالذاكرة العلمية والإصلاحية لمنطقة العطف ووادي ميزاب التي أنجبت – عبر التاريخ – علماء ومصلحين ومثقفين أسهموا في إثراء الحياة العلمية والفكرية في الجزائر.
ويعكس تنوّع مؤلفات الشيخ كعباش اتساع اهتماماته الفكرية التي امتدت من التفسير والخطابة إلى الإصلاح والتوجيه ومعالجة قضايا المجتمع.
مسارة العلم ومسيرة الوطن..
برحيل الشيخ سعيد الحاج محمد بن إبراهيم كعباش، تفقد الجزائر شخصية جمعت في مسيرتها بين العلم والعمل الوطني والإصلاح الاجتماعي. فقد عاصر مرحلة الاستعمار، وانخرط في الحركة الوطنية والثورة التحريرية، ثم واصل بعد الاستقلال أداء رسالته في التعليم والتوجيه والتأليف.
وبين قاعات الدرس والمنبر وصفحات الكتب، ظل القرآن الكريم محورا لتجربته، فترك تفسيرا أصبح موضوعا للبحث الأكاديمي، ومؤلفات عكست انشغاله بقضايا الإنسان والمجتمع، فضلا عن مسار طويل في العمل العلمي والدعوي والإصلاحي.
ومع رحيله، تطوى صفحة من صفحات العلماء الجزائريين الذين حملوا مشعل العلم من جيل إلى جيل، فيما يبقى أثره حاضرا من خلال مؤلفاته، والدراسات التي تناولت تجربته، وتلامذته الذين نهلوا من علمه، ليظل عطاؤه شاهدا على مسيرة عالم جعل من خدمة القرآن والعلم والوطن رسالة عمر.



