«يما متت يماااا… موتوني يماااا!”.. ليست هذه كلمات ممثل يؤدي دورًا في مشهد درامي، ولا صرخة عابرة أطلقتها حنجرة موجوعة في لحظة ضعف. إنها صدى آهات خرجت من أعماق الزنازين، من خلف الأبواب الحديدية الثقيلة، حيث يقبع آلاف الأسرى الفلسطينيين في مواجهة عدو لا يكتفي بسلب الحرية، بل يسعى إلى سحق الإنسان نفسه.
في تلك الزنازين الضيقة، حيث يغيب الضوء وتختنق الأرواح، يتحوّل الزمن إلى سوطٍ آخر يجلد الأجساد المنهكة. هناك، لا تُقاس الأيام بالشروق والغروب، بل بعدد مرات التفتيش المهين، ووجبات الطعام الشحيحة، وصيحات الألم التي تتردد في الممرات الباردة.
يروي بعض الأسرى الذين خرجوا من ذلك الجحيم أن أجساد رفاقهم تحولت إلى خرائط من الجروح والأمراض. شابٌ كان في مقتبل العمر عاد وقد غطت الدمامل والجرب جسده، حتى بدا وكأن جلده يذوب من شدة الإهمال الطبي وانعدام أبسط مقومات الحياة الإنسانية.
وآخرون فقدوا أوزانهم بصورة مخيفة، بينما تركت العزلة والانتهاكات آثارًا أعمق من أن تُرى بالعين المجردة.
السجن هنا ليس مجرد جدران وأسلاك شائكة، بل منظومة كاملة من المعاناة اليومية. حرمان من العلاج، وإهمال صحي متعمد، وعقوبات جماعية، واقتحامات متكرّرة للغرف، فضلاً عن الضغوط النفسية التي تستهدف كسر إرادة الأسرى وانتزاع ما تبقى من صمودهم.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير الدهشة ليس حجم الألم، بل قدرة هؤلاء الأسرى على مقاومته. ففي قلب العتمة يبتكرون أسباب البقاء، ويتشبثون بالأمل كما يتشبث الغريق بخشبة نجاة. يكتبون الرسائل على قصاصات الورق، ويحفظون أسماء أبنائهم الذين يكبرون بعيدًا عنهم، ويعدّون الأيام انتظارًا لفجر الحرية.
خلف كل أسير حكاية عائلة تنتظر. أمٌّ تضع صورة ابنها قرب وسادتها كل ليلة، وزوجة تؤجل أحلامها حتى يعود الغائب، وأطفال يحفظون ملامح آبائهم من الصور أكثر مما يحفظونها من الذاكرة.
إن قضية الأسرى ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، ولا ملفات تُطوى في أروقة السياسة. إنها قضية بشر يُعذبون كل يوم خلف القضبان، ويواجهون الموت البطيء بصبر أسطوري. وكل صرخة تخرج من هناك ليست نداء استغاثة فحسب، بل شهادة حية على معاناة مستمرة تنتظر من يسمعها وينقلها إلى العالم.
فحين يهتف الأسير من عمق الألم: “يما متت يماااا…” فإنه لا يخاطب أمه وحدها، بل يخاطب ضمير الإنسانية كلها، سائلاً: كم من الوجع يجب أن يُحتمل قبل أن يُسمع الصوت؟






