مســــار رقمـــي متكامــل يختصـــر الجهــد.. يقلّص التكاليف.. ويقـرّب الإدارة مـــن المتعامــل
بيئة أعمال تفاعلية ومرافقة مستدامــة للمصدّريــن.. دعـــم تنافسيـــة الاقتصـــاد الوطنـــي
خطت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات خطوة جديدة في مسار رقمنة خدماتها، بإطلاق منصة إلكترونية جديدة تدخل حيز الخدمة، أمس الثلاثاء، مخصصة لمعالجة انشغالات المتعاملين الاقتصاديين. وتنضم المنصة إلى أربع منصات رقمية أطلقتها الوزارة منذ بداية السنة الجارية، في توجه يعكس انتقالا تدريجيا من الإدارة التقليدية للملفات إلى إدارة رقمية أكثر سرعة وشفافية.
هيام لعيون
وتتجه الوزارة، من خلال توسيع الاعتماد على المنصات الإلكترونية، إلى بناء منظومة رقمية متكاملة لإدارة جانب مهم من عمليات التجارة الخارجية، مع تبسيط العلاقة بين الإدارة والمتعاملين الاقتصاديين وتقليص الوقت والجهد المرتبطين بالإجراءات الإدارية.
وجاءت المنصة الجديدة تنفيذا لتوجيهات السلطات العليا للبلاد، بقيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الرامية إلى تسريع التحول الرقمي وتوسيع استخدام الحلول الرقمية في تسيير الملفات الاقتصادية وتقريب الإدارة من المتعاملين.
الإدارة تقترب من المتعامل..
تكمن أهمية المنصة الجديدة في نقل معالجة انشغالات المتعامل الاقتصادي من الحضور الفعلي إلى الفضاء الرقمي، إذ تتيح إيداع الانشغال ومتابعة مسار معالجته عن بُعد، من دون الحاجة إلى التنقل إلى مقر الوزارة أو مصالحها المركزية، وتسهم هذه الآلية في اختصار الوقت والجهد وتقليص عدد التنقلات المرتبطة بمتابعة الملفات، فضلا عن توفير قناة مباشرة ومنظمة للتواصل بين الإدارة والمتعامل الاقتصادي.
ولا تعني الرقمنة الاستغناء الكامل عن الحضور، إذ أوضحت الوزارة أنه في الحالات التي تستدعيها طبيعة الانشغال أو الملف، يمكن استدعاء المتعامل للحضور لاستكمال المعلومات أو تقديم التوضيحات والوثائق الضرورية، وبذلك يصبح التنقل مرتبطا بالحالات التي تستدعيه فعلا، بدلا من أن يكون جزءا ثابتا من المسار الإداري.
خمس منصات.. مسار رقمي متكامل
لا تعمل المنصة الجديدة بمعزل عن بقية الخدمات الرقمية التي أطلقتها الوزارة خلال العام الجاري، فهي تشكل فضاء لمعالجة الانشغالات المرتبطة بخمس منصات متخصصة تغطي مجالات أساسية من التجارة الخارجية، وتشمل المنظومة المنصة الرقمية لاستيراد المواد الأولية والتجهيزات الموجهة للتصنيع، المرتبطة مباشرة باحتياجات المؤسسات الإنتاجية ومدخلاتها، بما يسمح برقمنة جانب من عمليات الاستيراد المرتبطة بالنشاط الصناعي، كما تضم المنصة الرقمية لمتابعة البرامج التقديرية لاستيراد المواد الأولية والسلع والبضائع الموجهة لإعادة البيع على الحالة، التي تتيح تنظيم البرامج الاستيرادية للمتعاملين ومتابعتها ضمن مسار إلكتروني.
وتغطي المنظومة المنصة الرقمية لتسيير ومتابعة عمليات استيراد الخدمات، بما يوسع نطاق الرقمنة ليشمل جانبا مهما من المعاملات الاقتصادية العابرة للحدود.
وفي الجهة المقابلة، نجد المنصة الرقمية لتسيير الصندوق الخاص لترقية الصادرات، وهي تتيح رقمنة جانب من العلاقة بين المصدرين وآليات دعم الصادرات، إلى جانب المنصة الرقمية الخاصة بالتصدير، المنخرطة في توجه أوسع لتسهيل النشاط التصديري ومرافقته.
وبذلك، تتوزع المنظومة الرقمية بين مسارات الاستيراد والتصنيع واستيراد الخدمات والتصدير ودعم المصدرين، بينما تضطلع المنصة الجديدة بدور حلقة الوصل لمعالجة الانشغالات المرتبطة بهذه الخدمات.
الرقمنة.. سرعة وشفافية
تتجاوز رقمنة التجارة الخارجية مجرد استبدال الوثائق الورقية بخدمات إلكترونية، لتعيد تنظيم العلاقة بين الإدارة والمتعامل الاقتصادي على أساس السرعة والوضوح وإمكانية المتابعة.
وتتيح المنصة الجديدة إيداع الانشغالات ومتابعة معالجتها عن بُعد، بما يقلص التنقلات والوقت والتكاليف الإدارية، ويمنح المؤسسات مساحة أكبر للتركيز على نشاطها الأساسي، كما تعزز شفافية المسار الإداري، من خلال تنظيم الملفات وتوجيهها إلى المصالح المختصة، مع إتاحة رؤية أوضح لطبيعة العراقيل والانشغالات المتكررة، وهو ما يمكن أن يساعد الإدارة على تحديد مواطن التعقيد وتحسين الإجراءات مستقبلا.
خامس منصة.. تسارع على مسار الرقمنة
تكتسي الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى تأكيد وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات أن منصة معالجة انشغالات المتعاملين الاقتصاديين هي خامس منصة رقمية تطلقها خلال عام 2026.
ويعكس هذا التوسع تسارع وتيرة رقمنة الخدمات المرتبطة بالتجارة الخارجية، وانتقالا تدريجيا نحو منظومة تعتمد على المنصات الإلكترونية في تسيير عدد متزايد من العمليات، من استيراد المواد الأولية ومدخلات الإنتاج إلى استيراد الخدمات والتصدير ودعم المصدرين.
ولا تقتصر وظيفة المنصة الخامسة على إضافة خدمة رقمية جديدة، بل توفر آلية للتكفل بالانشغالات التي قد تواجه مستخدمي المنصات الأخرى، ما يجعلها حلقة وصل داخل المنظومة الرقمية للوزارة، وقناة لتحديد العراقيل التي قد تعترض المتعاملين أثناء استخدام الخدمات الإلكترونية.
ولا شكّ أن آثار هذا التحول تتجاوز حدود تبسيط الإجراءات الإدارية، إذ يمكن أن تنعكس على بيئة الأعمال وقدرة المؤسسات الجزائرية على التعامل مع الأسواق الخارجية بكفاءة أكبر، فكلما أصبحت الإجراءات أسرع وأكثر وضوحا، تقلصت الكلفة الإدارية للمعاملات، وتعززت قدرة المتعامل على التخطيط لنشاطه، خصوصا في القطاعات التي تعتمد على الاستيراد المنتظم للمواد الأولية والتجهيزات أو على التصدير إلى الأسواق الخارجية، كما يمكن لرقمنة الخدمات المرتبطة بالتصدير أن تدعم توجه الجزائر نحو تنويع صادراتها خارج المحروقات، عبر توفير بيئة إدارية أكثر ملاءمة للمؤسسات الراغبة في دخول الأسواق الدولية وتوسيع نشاطها.
تحسين مناخ التصدير
وفي إطار تحسين مناخ التصدير وتسهيل وصول المنتجات الجزائرية إلى الأسواق الخارجية، اتجهت السلطات العمومية إلى تعزيز الاعتماد على الحلول الرقمية، من خلال مشروع الشباك الوحيد الرقمي الموجه للمصدرين، باعتباره أداة لتبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص آجال معالجة الملفات وتعزيز الشفافية، وتمكين المتعاملين الاقتصاديين من الحصول على الوثائق والمعلومات المطلوبة في آجال أقصر.
ولا تتوقف مرافقة المصدرين عند تسهيل الإجراءات، فهي تمتد إلى توفير المعلومات والخبرة التي تساعد المؤسسات على فهم الأسواق الخارجية وتحديد الفرص المتاحة فيها.
وفي هذا الإطار، تضطلع الهيئة الجزائرية للصادرات بدور في دعم المتعاملين الراغبين في تطوير نشاطهم التصديري، من خلال إعداد الدراسات الاقتصادية، وتوجيه المؤسسات، ومساعدتها على تحسين قدرتها التنافسية والبحث عن أسواق جديدة.
ويكشف تكامل هذه المسارات عن توجه يتجاوز دعم التصدير بالمعنى التقليدي، نحو بناء منظومة متكاملة لمرافقة المصدر، تبدأ بتبسيط الإجراء ورقمنته، وتمر بتوفير المعلومة والدراسة والتوجيه، وصولا إلى الترويج للمنتج الجزائري في الأسواق الخارجية.
وتواصل الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات تسجيل مؤشرات إيجابية، مدفوعة بتنامي حضور المنتجات الوطنية في الأسواق الخارجية، وتحسن الأداء اللوجستي على مستوى الموانئ، إلى جانب تطوير آليات مرافقة المصدرين وتسهيل إجراءات التجارة الخارجية.
وتأتي هذه الديناميكية في إطار التوجه الذي كرسته السلطات العليا للبلاد، بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، لبناء اقتصاد متنوع ومستدام، وتقليص الارتهان للمحروقات، من خلال دعم القطاعات الإنتاجية وفتح المجال أمام المنتجات الجزائرية للوصول إلى الأسواق الدولية.
إدارة اقتصادية أكثر اتصالا..
تضع وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، من خلال هذه الخطوات، لبنة جديدة في مسار بناء إدارة اقتصادية أكثر اعتمادا على التكنولوجيا وأقل ارتباطا بالمسار الورقي التقليدي والحضور الواقعي، مع السعي إلى تحسين الشفافية ورفع جودة الخدمة.
ومع دخول المنصة الجديدة حيز الخدمة، يوم أمس الثلاثاء، تتوسع دائرة الخدمات الرقمية الموجهة إلى المتعاملين الاقتصاديين، في وقت تراهن فيه الجزائر على تطوير تجارتها الخارجية، ورفع كفاءة مؤسساتها، وتسهيل وصول منتجاتها إلى الأسواق الدولية.
ويعكس إطلاق خمس منصات رقمية، خلال السنة الجارية، توجها يتجاوز تقديم خدمات إلكترونية منفصلة، نحو إعادة بناء طريقة إدارة التجارة الخارجية على أسس رقمية تجعل الإجراء أكثر وضوحا، والمعلومة أسرع، والمتابعة أكثر سهولة، والعلاقة بين الإدارة والمتعامل أكثر شفافية.ويأتي هذا المسار منسجما مع أهداف السلطات العمومية في ترقية الصادرات خارج المحروقات وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وصولا إلى رفع مساهمة القطاعات الإنتاجية وتحقيق مستويات أعلى من النمو، ضمن الطموح المعلن لبلوغ ناتج داخلي خام يتجاوز 400 مليار دولار مع نهاية سنة 2027.


