الشراكة الطاقوية مع النيجر تعبّد المسار لتوسيع التعاون القاري
تزويد أسواق منطقة الساحل بالمنتجات البترولية الجزائرية
شرعت شركة سوناطراك في تسليم أولى شحنات وقود الطائرات من نوع «Jet A1» إلى النيجر، انطلاقا من مصفاة أدرار (RA1D)، وذلك في إطار تنفيذ عقد البيع والشراء المبرم مع الشركة النيجرية للبترول «سونيداب»، بحسب ما أفاد، أمس، بيان لمجمّع سوناطراك تلقت «الشعب» نسخة منه، وتندرج هذه العملية التي انطلقت، الجمعة، في إطار تنفيذ توجيهات السلطات العليا للبلاد الرامية إلى تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية مع جمهورية النيجر، فضلا عن تجسيد الالتزامات التعاقدية بين سوناطراك و»سونيداب».
أكّد الخبير الاقتصادي، مرد كواشي، أنّ شحن أولى شحنات وقود الطائرات من نوع «Jet A1» إلى دولة النيجر، انطلاقا من مصفاة أدرار، في إطار عقد البيع والشراء المبرم بين مجمّع سوناطراك والشركة النيجرية للبترول «سونيداب»، يمثل خطوة استراتيجية بالغة الدلالة كونها ترسّخ حضورا طاقويا وتنمويا جديدا للجزائر بعمق القارة الإفريقية، وأوضح أنّ هذه العملية التي تأتي تنفيذا لتوجيهات السلطات العليا للبلاد الرامية إلى تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية مع دولة النيجر، تجسّد الدخول الفعلي في مرحلة تنفيذ التعاون التجاري بين الشركتين، بما يعزّز المبادلات في مجال المحروقات والمنتجات البترولية بين البلدين، ويفتح آفاقا جديدة لتزويد أسواق منطقة الساحل بالمنتجات البترولية الجزائرية بشكل منتظم ومستدام.
الالتزامات التعاقدية.. إنجازات
يرى البروفسور كواشي أنّ هذا التعاون يندرج ضمن مخرجات الدورة الثانية للجنة الكبرى المشتركة الجزائرية-النيجرية التي انعقدت في نيامي، وفي إطار تعزيز الشراكة الطاقوية التي تمثل أحد أهم المحاور التي يتم التعويل عليها لتوسيع وتعميق العلاقات بين الجزائر والنيجر، وأشار إلى الديناميكية المتسارعة التي عرفتها العلاقات الثنائية خلال هذا العام، بدءا بتدشين محطة كهرباء بقدرة 40 ميغاواط، مرورا بإطلاق أشغال حفر البئر الاستكشافية «كافرا جنوب شرق واحد» في أقل من 70 يوما، وصولا إلى شحن أولى شحنات وقود الطائرات، وهي وتيرة تعكس إرادة سياسية واضحة، وتصميما على تحويل الالتزامات التعاقدية إلى إنجازات ملموسة في الميدان.
وأوضح كواشي أنّ الجزائر، بما تمتلك من خبرة واسعة في مجال تسويق النفط والمنتجات البترولية، قادرة على أن تقدّم إضافة حقيقية لدولة النيجر، سواء في مجال البحث عن زبائن وشركاء جدد لنفطها، أو في تطوير قدراتها التسويقية واللوجستية. ولفت إلى أنّ تسويق أول شحنة نفط خام من حقل «ميلك» المستخرج من النيجر، انطلاقا من محطة «سيمي» النفطية في بنين، بشكل مشترك بين سوناطراك و»سونيديب»، يوضّح استراتيجية التنمية التي تنتهجها سوناطراك في إفريقيا ورغبتها في توفير خبراتها ومعرفتها لشركائها الأفارقة، بما يعكس متانة العلاقات بين البلدين واستعدادا لتطوير الشراكة الثنائية إلى مستويات أرحب.
رسم خريطة التكامل القاري
اعتبر كواشي أنّ ما يميّز المقاربة الجزائرية في إفريقيا هو أنها لا تقتصر على تصدير المنتجات البترولية وحدها، وإنما تمتد إلى بناء منظومة متكاملة من المشاريع الاستراتيجية الكبرى، التي تربط الجزائر بعمقها الإفريقي، على غرار أنبوب الغاز العابر للصّحراء، والطريق العابر للصّحراء، ومشروع الألياف البصرية، وخط السكة الحديدية الجزائر-تندوف التي يمكن أن تستفيد منها دولة النيجر أيضا، وهذه المشاريع، بحسب الخبير كواشي، هي شرايين حيوية تعيد رسم خريطة التكامل القاري، وتجعل من الجزائر بوابة إفريقيا الأكثر جدوى والأقل كلفة، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة ويعزّز سيادتها الاقتصادية. وفيما يتعلق بالبعد الدولي لهذه الاستراتيجية، أشار الخبير كواشي إلى أنّ الجزائر تصدّر وقود الطائرات إلى منطقة الساحل وإفريقيا، خاصة النيجر وموريتانيا، كما تصدّر النافثا إلى الأسواق التقليدية، على غرار إيطاليا وفرنسا وإسبانيا. وكشف أنّ الجزائر تصدّرت في جويلية 2022 قائمة مورّدي النافثا إلى أوروبا وأمريكا بأكثر من 497 ألف طن، وهو أعلى مستوى لصادراتها منذ عام 2022، ممّا يؤكّد أنّ سوناطراك تعمل حاليا على تنويع صادراتها وأسواقها، بما يتلاءم مع المتغيّرات الدولية، خاصة مع زيادة الطلب على وقود الطائرات وارتفاع أسعاره بنسب تراوحت بين 96 و110 بالمائة خلال الأسابيع الأولى من اندلاع التوتر بمنطقة الشرق الأوسط.
آفاق للتعاون الإقليمي
أفاد الخبير كواشي أنّ الدور الطاقوي الجزائري في إفريقيا لا ينفصل عن البعد التنموي الشامل، لأنّ الاستثمار في الاستكشاف والإنتاج يرافقه التزام بتطوير البنية التحتية وتكوين اليد العاملة المحلية ونقل التكنولوجيا، بما يخلق ديناميكية اقتصادية تتجاوز قطاع المحروقات لتشمل قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات. وأشار إلى أنّ الدراسات الأولية الجارية في منطقة «كافرا» بالتوازي مع عملية الحفر تظهر إمكانات واحتياطات مهمة قابلة للاستغلال، ممّا يجعل من هذا المشروع ليس مجرّد مغامرة استكشافية، بل استثمارا مدروسا ذا جدوى اقتصادية حقيقية، يفتح آفاقا واسعة للتعاون الثنائي والإقليمي.
ووقف أستاذ العلوم الاقتصادية كواشي على أهمية مسار سونطراك وما راكمته من خبرة تقنية وبشرية في مجال الطاقة، وأصبحت قادرة على أن تلعب دورا رياديا، خاصة في وقت تشتد فيه المنافسة الدولية على مصادر الثروة والأسواق الناشئة في إفريقيا، غير أنّ الجزائر تمتلك ميزة تنافسية فريدة تتمثل في القرب الجغرافي والعمق التاريخي والروابط الإنسانية التي تجمعها بدول الجوار الإفريقي، إضافة إلى مصداقيتها كشريك موثوق يحترم التزاماته ولا يتدخّل في الشؤون الداخلية للدول.
وختم البروفسور كواشي بالتأكيد على أنّ ما ترسمه الجزائر اليوم في عمق القارة الإفريقية، من شأنه أن يجسّد ترسيخا لحضور جزائري جديد يقوم على بناء شراكات مستدامة وتعاون متكامل، حيث يتحول العملاق الطاقوي القاري سوناطراك إلى فاعل محوري في إعادة تشكيل مشهد الطاقة القاري، وهو يقود بذلك الانتقال نحو اقتصاد متنوّع بكفاءة واحترافية تليق بتاريخ هذه الجزائر ومكانتها.


