المشاريع الكبرى ركائز تحول هيكلي في الخارطة الطاقوية الإقليمية
أكّد رئيس المنظمة الوطنية للتنمية الاقتصادية (ONDE)، نصر الدين منير روبعي، أنّ العلاقات الجزائرية-النيجرية، في مجال الطاقة، لم تعد مجرّد تعاون تقني أو اتفاقيات ظرفية بين بلدين شقيقين أو مؤسّستين حكوميتين، فقد أخذت شكل شراكة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح الطرفين في الاستكشاف والإنتاج والخدمات النفطية التحويلية والتسويق والبنية التحتية والنقل.
أفاد روبعي في تصرح لـ«الشعب”، أنّ التطورات التي شهدها قطاع المحروقات بين الجزائر والنيجر، خلال العام الجاري، تؤكّد هذا التحول بوضوح في ظل عودة أعمال الاستكشاف والتطوير إلى مربّع كفرا شمال نيامي، حيث تعمل سوناطراك عبر فرعها الدولي (SIPEX) على تثمين الإمكانات النفطية للبئر.
وسجّل روبعي أنّ الشراكة مع “سونيديب” النيجرية للبترول، توسّعت لتشمل الجيوفيزياء والحفر والمنتجات البترولية، بالتوازي مع انتقال مشروع أنبوب الغاز العابر للصّحراء إلى مرحلة تنفيذية جديدة، وأشار إلى أنّ قراءة هذه التطورات منفصلة عن بعضها قد تجعلها تبدو مشاريع متفرّقة، لكن جمعها في إطار واحد يكشف عن تحول عميق؛ ذلك أنّ الجزائر تعمل على بناء منظومة تعاون طاقوي عابرة للحدود، يكون فيها النيجر شريكا في سلسلة القيمة، وليس مجرّد منطقة عبور أو مجال للاستثمار.
نفّذ عملاق الطاقة الجزائري “سوناطراك” أعمال حفر استكشافية أظهرت وجود مؤشّرات مهمة على الموارد النفطية، كما تكتسب كفرا أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي في شمال النيجر، بالقرب من الحدود الجزائرية، وكذا بسبب الإمكانات التي كشفت عنها عمليات الحفر السابقة، بحسب روبعي.
وأظهرت المعطيات المنشورة حول البئرين KFR-1 وKFRN-1 – مثلما شرح روبعي – وجود مكامن نفطية بأحجام مهمة، وهو ما أعطى المشروع بعدا استراتيجيا يتجاوز البحث عن اكتشاف جديد، غير أنّ القيمة الحقيقية للتطور الحالي لا تكمن في حجم الاحتياطات المحتملة، وإنّما في الانتقال من مرحلة المعرفة الجيولوجية إلى مرحلة التثمين الاقتصادي، وهنا تكمن أهمية استئناف عمليات الحفر في 2026.
ولفت محدثنا إلى أنّ الصناعة النفطية لا تقاس بعدد الآبار المحفورة وحدها، إنما بقدرة الشّريك على تحويل الاكتشافات إلى احتياطات قابلة للتطوير، ثمّ إلى إنتاج تجاري، ثمّ إلى عوائد واستثمارات وسلاسل صناعية وخدماتية محلية، وهذا بالضبط الاختبار الحقيقي لمشروع كفرا خلال المرحلة المقبلة.
وتابع: “من أهمّ عناصر القوة في الشراكة الجزائرية-النيجرية، أنّ سوناطراك لا تدخل النيجر باعتبارها ممولا أو مستثمرا فحسب، وإنما تدخل بمنظومة صناعية متكاملة تضمّ الجيوفيزياء، الاستكشاف، الحفر، الخدمات النفطية، الإنتاج، النقل، التكرير، التسويق والتكوين، والدليل الأوضح على ذلك هو توقيع ثلاث مذكّرات تفاهم بين فروع سوناطراك و«سونيداب” في جوان 2026، شملت معالجة البيانات الزلزالية، وإنشاء شراكة في مجال الحفر، والتعاون في توزيع المنتجات البترولية، مع توجه نحو تطوير صناعة البيتومين والتكوين ونقل الخبرة، وهنا بالتحديد تظهر إحدى أهمّ مزايا النموذج الجزائري الرّائد في الاستثمار المثمر داخل إفريقيا”.
وبدل أن يكون التعاون قائما على تصدير منتج واحد، يمكن أن يقوم على تصدير منظومة من المعرفة والخدمات والمنتجات التحويلية والتكنولوجيا، وهذا تعاون أكثر استدامة من العلاقات التجارية التقليدية؛ لأنه يخلق قدرات محلية داخل الدولة الشريكة، ويؤسّس لشبكة من المؤسّسات والخبرات المشتركة، كما أنّ دخول النيجر بقوة إلى سوق تصدير النفط بالعالم خلال السنوات المقبلة، سيغيّر طبيعة موقعه في الخريطة الطاقوية الإقليمية والدولية، وهو بلد غير ساحلي، ووصوله إلى الأسواق الخارجية يظل مرتبطا بالبنية التحتية العابرة للحدود، وقد أصبح خام “ميليك” من أهم المنتجات النفطية النيجرية الموجّهة إلى الأسواق الخارجية، عبر منظومة النقل التي تربط الإنتاج في النيجر بميناء سيمي-كبودجي في بنين، يقول روبعي.
في السياق، اعتبر روبعي دخول سوناطراك إلى حلقات التسويق والتجارة المرتبطة بالخام النيجري، تطورا نوعيا؛ كونه يضيف إلى العلاقة الجزائرية-النيجرية بعدا تجاريا ولوجستيا، إلى جانب الاستكشاف والتنقيب والاستخراج والإنتاج. وهنا، أشار إلى ضرورة التوقف عند نقطة أساسية تتعلّق بالقيمة الاستراتيجية غير المرتبطة باستخراج النفط من باطن الأرض، وإنما في التحكّم في أكبر عدد ممكن من حلقات سلسلة القيمة المضافة المثمرة للبلدين الشقيقين.
من يشارك في التسويق والنقل والتخزين والتجارة الدولية ينتقل إلى مستوى أعلى من الاندماج الاقتصادي، وهذا هو الاتجاه الذي يمكن أن يجعل الشراكة الجزائرية -النيجرية أكثر نجاحا وتأثيرا في السنوات القادمة، يختم نصر الدين منير روبعي.
يذكر أنّ الوزير الأول، سيفي غريب، قام نهاية الأسبوع الفارط، بتكليف من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بزيارة عمل إلى جمهورية النيجر، أشرف خلالها رفقة نظيره النيجري، علي محمد لمين زين، على مراسم إطلاق أشغال حفر البئر الاستكشافية “كفرا جنوب شرق 1”.



