تبذل الجزائر جهودا معتبرة لمحاصرة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ووفق مقاربة أشمل تمتد لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود وعصابات الاتجار بالبشر، وبرز ذلك في الاجتماع التنسيقي لوزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، بقصر الحكومة لمتابعة التدابير المتخذة لمكافحة الظاهرة وتفكيك شبكاتها.
تحرص الجزائر في إطار مكافحتها للظاهرة على تبني معادلة متوازنة تقوم على احترام القانون، حماية الحدود، تفكيك شبكات تهريب المهاجرين، ومواجهة الاستغلال الإجرامي للفئات الهشة، وتضطلع مختلف أجهزة الدولة، كل حسب اختصاصها، بمهام المراقبة والرصد والتحقيق ومكافحة شبكات التهريب، في إطار منسق يهدف إلى منع الجريمة قبل وقوعها وتفكيك الشبكات التي تقف وراءها، فخلف كل قارب ينطلق في رحلة غير شرعية، وكل شبكة تنشط في التهريب، توجد منظومة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه الصورة للوهلة الأولى.. أشخاص يستقطبون الضحايا، وآخرون يوفرون وسائل النقل، ووسطاء يتولون جمع الأموال، وشبكات تتكفل بالتنسيق والتواصل، وبين هؤلاء جميعا يستغل المواطن، وفي كثير من الحالات الشاب، باعتباره الحلقة الأضعف في نشاط إجرامي يستثمر في أحلامه ومخاوفه.
قوانين صارمة
وقصد التصدي لجريمة الهجرة غير الشرعية المعروفة بـ»الحرقة»، تعتمد الجزائر على ترسانة تشريعية أساسية، أبرزها القانون رقم 09-01 المؤرخ في 25 فيفري 2009، الذي يعدل ويتمم قانون العقوبات (الأمر رقم 66-156) ليجرم مغادرة التراب الوطني بطريقة غير قانونية، ويدرج نصوصا خاصة لتهريب المهاجرين، ويفرض عقوبات صارمة بالحبس والغرامة المالية على كل من يحاول مغادرة التراب الوطني أو دخول إقليم الدولة بطريقة غير شرعية، فضلا عن تجريم شبكات تدبير وتنظيم رحلات الهجرة السرية (تهريب المهاجرين)، وإلى جانبه نجد القانون رقم 08-11 المتعلق بشروط دخول الأجانب إلى الجزائر وإقامتهم بها، وتنقلهم فيها للحد من التدفقات غير القانونية.
كما تجرم القوانين الجزائرية تهريب المهاجرين عبر فرض عقوبات سالبة للحرية شديدة الصرامة في قانون العقوبات ضد منظمي رحلات الهجرة غير المشروعة، مع تشديد العقوبات ومضاعفة الأحكام إذا ارتكبت الجريمة في إطار جماعة إجرامية منظمة، أو نتج عنها تعريض حياة الأشخاص للخطر والموت.
وأبعد من ذلك، منحت صفة الضبطية لعناصر وضباط وحدات حراس السواحل بتخويلهم صلاحيات واسعة للتحري والملاحقة، وتبرز هنا أهمية التحول من التعامل مع الظاهرة باعتبارها سلسلة من المحاولات الفردية إلى النظر إليها باعتبارها نشاطا منظما؛ فالذي يدفع الأموال للمهرب ليس هو بالضرورة العنصر الأكثر تأثيرا في العملية.. الخطر الحقيقي يكمن في الجهة التي تستقطب الأشخاص، وتحدد المسارات، وتوفر الوسائل، وتدير الأموال وتعيد تنظيم الشبكة كلما تعرض أحد عناصرها للتوقيف.
نشاط عابر للحدود
تشكل مراقبة الحدود إحدى أهم حلقات المواجهة، فكلما ارتفعت قدرة أجهزة الدولة على رصد التحركات المشبوهة ومراقبة المسارات البرية والبحرية، ضاقت المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها شبكات التهريب.
ويزداد ذلك أهمية عندما يتعلق الأمر بأنشطة قد تتقاطع مع جرائم أخرى، مثل تهريب المخدرات والأسلحة والوقود والاتجار بالبشر، لكن الأمن وحده لا يستطيع معالجة جميع جذور الظاهرة؛ فالشبكات الإجرامية تعيش أيضا على الدعاية وصناعة الوهم.. تستعمل شبكات التواصل الاجتماعي لتقديم الرحلة غير الشرعية باعتبارها طريقا سريعا نحو مستقبل أفضل، بينما تخفي مخاطر الغرق والاستغلال والابتزاز وضياع الأموال، كما أن جريمة التهريب تعد أحد أشكال الاقتصاد الموازي الذي يستنزف الموارد ويغذي الجريمة المنظمة؛ فالأموال الناتجة عن الأنشطة غير المشروعة يمكن أن يعاد استثمارها في عمليات أخرى، وهو ما يجعل مكافحة مصادر التمويل وتتبع العائدات الإجرامية عنصرا أساسيا في تفكيك الشبكات، وعليه تصبح المعركة الاتصالية جزءا من الأمن الوقائي.
ولهذا تكتسي المعلومة الأمنية أهمية استثنائية، فجمع المعلومات وتحليلها وربطها بالمعطيات الميدانية يسمحان بتحديد الأنماط المتكررة، واكتشاف طرق عمل الشبكات، وتحديد العناصر التي تقف وراءها.
ومن شأن هذا الأسلوب أن يجعل الضربة الأمنية أكثر تأثيرا، لأنها تستهدف البنية وليس المظهر فقط؛ فكلما تمكنت الدولة والمجتمع ووسائل الإعلام من كشف الأساليب التي تستخدمها شبكات التهريب، تراجعت قدرتها على الاستقطاب، كما أن توفير المعلومات الواقعية حول المخاطر والمسارات القانونية للهجرة والتنقل يساهم في تجفيف السوق التي تعتمد عليها هذه الشبكات.
تعاون دولي
تقتضي مواجهة هذه الظاهرة العابرة للحدود تعاونا بين مختلف الدول المعنية، الممتدة من إفريقيا إلى أوروبا عبر المتوسط، وفي هذا الصدد، تعتمد الجزائر في محاربة شبكات تهريب المهاجرين على تبني مقاربة شاملة ترفض الاكتفاء بالحل الأمني وحده، وتربط مكافحة الجريمة المنظمة بالتنمية الاقتصادية في دول المنشأ.
وتشارك الجزائر بفعالية في صياغة السياسات الإقليمية وضبط الحدود، ونذكر هنا الشراكة الأورو-متوسطية من خلال الاتفاقيات الثنائية لا سيما مع إيطاليا، لتفكيك شبكات تهريب المهاجرين ومراقبة المسارات البحرية، بالمقابل ترفض الجزائر التوطين الخارجي، وتتمسك بمبدأ السيادة الوطنية ورفض لعب دور «حارس الحدود» أو إقامة مراكز احتجاز للمهاجرين فوق أراضيها لصالح أطراف خارجية، بالتوازي مع فتح قنوات الهجرة الشرعية من أجل التنسيق لتوفير حصص عمل قانونية للشباب للحد من اللجوء إلى شبكات التهريب الخطرة.
وعلى الصعيد الإفريقي، تحث الجزائر المجتمع الدولي على تمويل مشاريع التنمية المستدامة داخل العمق الإفريقي لمعالجة جذور الهجرة غير الشرعية، ودعم الحلول السياسية والاستقرار في دول العبور المجاورة للمساعدة في بناء مؤسسات قوية قادرة على ضبط حدودها ومحاصرة عصابات الاتجار بالبشر، إلى جانب التنسيق مع الاتحاد الإفريقي للانخراط في الخطط الأمنية المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع دول الساحل لرصد تحركات شبكات الجريمة العابرة للحدود.



