قال الخبير الاقتصادي في تقييم السياسات العمومية، البروفيسور عبد القادر بريش، إن الدخول الاجتماعي يمثل محطة سنوية مهمة في أجندة العمل الحكومي، بالنظر إلى تزامنه مع عودة النشاط الاقتصادي والإداري والتربوي والجـــامعي، وما يرافــــــق ذلك من ارتفاع في الطلب على السلع والخدمـــــات وتزايد الإنفـــــــاق والالتزامات الأسرية.
أوضح بريش، في تحليل خصّ به «الشعب»، أن هذه المرحلة تستدعي جاهزية شاملة لمختلف مؤسسات الدولة، بالنظر إلى اتساع الحركية التي ترافقها، من خلال عودة المدارس والجامعات والإدارات إلى نشاطها الكامل، وارتفاع حركة النقل، واستعادة الأسواق وتيرة نشاطها، إلى جانب زيادة الطلب الأسري على السلع والخدمات المرتبطة بالدخول المدرسي والجامعي.
ويمثل الدخول الاجتماعي انتقالا جماعيا من نسق العطل والإجازات إلى دورة كاملة من النشاط الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي، وتدخل ملايين الأسر خلال هذه الفترة مرحلة جديدة من الإنفاق المرتبط بالتعليم والملابس والأدوات المدرسية والنقل والإطعام وغيرها من الاحتياجات، ما يرفع الضغط على عدد من القطاعات والخدمات.
ومن هذا المنظور، يرى الخبير أن نجاح هذه المرحلة يرتبط بقدرة الحكومة، بالتنسيق مع القطاعات الوزارية والسلطات المحلية، على تأمين الاحتياجات وضمان انتظام الخدمات العمومية وجودتها.
تنسيق حكومي متعدّد القطاعات
ويعتبر بريش أن فعالية التحضير للدخول الاجتماعي ترتبط بدرجة التنسيق بين مختلف المؤسسات والقطاعات المعنية، وقدرتها على تحويل التوجيهات الحكومية إلى إجراءات عملية واضحة ومحددة المسؤوليات والآجال.
وفي هذا السياق، تكتسي الاجتماعات التنسيقية التي يعقدها الوزير الأول مع الوزراء والولاة للتحضير للدخول الاجتماعي والدخول المدرسي والجامعي أهمية خاصة، باعتبارها آلية لتوحيد الرؤية وتكامل الأدوار، وتشمل هذه المنظومة قطاعات التربية الوطنية، والتعليم العالي، والداخلية، والتجارة، والنقل، والصناعة، والمالية، والصحة والخدمات الاجتماعية.
ويؤكد الخبير أن التنسيق الفعال يتطلب متابعة مستمرة للميدان، ورصدا مبكرا للنقائص، وسرعة في معالجة الاختلالات، بما يسمح بضمان استمرارية الخدمات وتلبية احتياجات المواطنين في مختلف المناطق.
14 مليون متمدرس وحركية واسعة
ويحتل الدخول المدرسي والجامعي موقعا مركزيا ضمن هذه الحركية، مع عودة حوالي 14 مليون متمدرس إلى مختلف مراحل التعليم، بما يرفع حجم النشاط اليومي المرتبط بالنقل والتغذية والتجهيزات واللوازم والخدمات.
ويشير بريش إلى أن هذا العدد يعكس حجما واسعا من الطلب على الخدمات، ويجعل الدخول المدرسي والجامعي عملية متعددة القطاعات تتقاطع فيها مسؤوليات عدة قطاعات وزارية والسلطات المحلية، ويتطلب ذلك تنسيقا متواصلا بين مختلف المتدخلين لضمان ظروف مناسبة للعودة إلى الدراسة واستمرار الخدمات المرتبطة بها.
وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي، يلفت الخبير إلى ارتفاع حجم الإنفاق الأسري خلال هذه الفترة، نتيجة تزامن عدة احتياجات تشمل الملابس والأحذية والأدوات المدرسية والكتب، إلى جانب النقل والإطعام وغيرها من المصاريف.
ويؤكد أن حماية القدرة الشرائية ترتبط بمستوى الدخل وبقدرة السوق على توفير السلع والخدمات بأسعار مستقرة ومعقولة. ومن هنا تبرز أهمية انتظام التموين، وفعالية مسالك التوزيع، ومحاربة المضاربة والاحتكار، وضمان توفر المستلزمات المدرسية والجامعية بالكميات والأسعار المناسبة.
ويرى بريش أن المواطن يتابع أداء مؤسسات الدولة من خلال تفاصيل حياته اليومية، في المدرسة والجامعة والنقل والإدارة والخدمات البلدية، إلى جانب سرعة معالجة النقائص والاستجابة للانشغالات. ويسهم انتظام الخدمة العمومية وجودتها في تعزيز الثقة في المؤسسات.
حركية اجتماعية وسياسية متزامنة
وتكتسب محطة الدخول الاجتماعي هذه السنة خصوصية إضافية، حسب الخبير، بالنظر إلى تزامنها مع سياق سياسي ومؤسساتي وانتخابي متحرك، فبعد تجديد المجلس الشعبي الوطني في الانتخابات التشريعية ليوم 2 جويلية 2026، تدخل الجزائر مع بداية سبتمبر مرحلة جديدة مع انطلاق العهدة التشريعية العاشرة، وما يرافق ذلك من بداية عمل البرلمان الجديد وتشكيل هياكله وانطلاق التفاعل التشريعي والرقابي بين المجلس والحكومة.
وبالتوازي، تبرز الاستحقاقات الانتخابية المحلية، مع الاستدعاء المرتقب للهيئة الناخبة للانتخابات البلدية والولائية.
ويضع هذا التزامن مؤسسات الدولة أمام مجموعة من المسارات المتوازية، تشمل الجوانب الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والبرلمانية والانتخابية، الأمر الذي يستدعي الحفاظ على انتظام الحياة العامة واستمرارية الخدمات العمومية.
استمرارية الأداء الحكومي
ويشدّد بريش على أنّ الحركية السياسية والمؤسّساتية تسير بالتوازي مع الاحتياجات اليومية للمواطن، التي تستدعي استمرار عمل المدارس والجامعات والإدارات والأسواق ووسائل النقل ومختلف المرافق العمومية وفق الوتيرة المعتادة.
ويؤكّد أنّ استقرار المؤسسات واستمرارية الأداء الحكومي يوفران الظروف الملائمة لمواصلة تنفيذ البرامج والسياسات العمومية، مع الحفاظ على انتظام الخدمات خلال مختلف مراحل السنة. ويرى الخبير أنّ إدارة الدخول الاجتماعي تتيح للحكومة ضبط أولويات المرحلة، وتحسين التنسيق بين القطاعات، وتحديد نقاط الضغط التي تستدعي تدخلا سريعا، إلى جانب الاستفادة من المعطيات الميدانية في تحسين الأداء خلال المراحل المقبلة.
ويخلص بريش إلى أنّ الدخول الاجتماعي يمثّل محطة مركبة تتقاطع فيها الحركية الاجتماعية والاقتصادية مع الحركية السياسية والمؤسساتية والانتخابية، وتحتاج إلى تنسيق واسع بين مختلف المتدخلين، واستباق الاحتياجات، وضمان توفر السلع والخدمات وانتظام المرافق العمومية، بما يسمح بمواصلة تنفيذ البرامج التنموية والإصلاحات، وتحسين الخدمة العمومية في ظروف مستقرة.



