صدر للكاتب علي سمارة عمله الروائي الجديد «غيمتان على نفس الحافة»، في رواية تستحضر أجواء الحرب والإبادة التي عاشتها غزة، لكنها لا تكتفي برصد مشاهد الموت والدمار، بقدر ما تبحث في الإنسان الذي يرفض أن تموت الحياة داخله مهما اشتدت قسوة الظروف، ويتمسك بالعلم والأمل باعتبارهما شكلا من أشكال الصمود
يأتي العمل بعد قرابة سنة كاملة استغرقتها كتابة الرواية، بين الكتابة والتدقيق اللغوي وإعادة بناء الأحداث وتفصيلها، قبل أن تخرج في صورتها النهائية في 182 صفحة، بتصميم وإخراج من دار رميسة للنشر والإشهار، على أن تكون حاضرة في المعرض الدولي للكتاب بالجزائر وعدد من المعارض الدولية الأخرى.
وانطلقت فكرة الرواية من متابعة الكاتب اليومية لما عاشته غزة من حرب ومجازر ومآس إنسانية، غير أنه مع مرور الوقت أدرك أنه لا يريد الكتابة عن الحرب في حد ذاتها، وإنما عن الإنسان الذي يقاومها بالحياة، ويتمسك بما يمنحه القدرة على الاستمرار رغم الألم والخوف والفقدان
ومن هنا جاءت شخصية «غالية»، بطلة الرواية، وهي معلمة فلسطينية مثقفة وشاعرة، استلهم الكاتب ملامحها من صديقة عرفها افتراضيا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتابع كتاباتها عن أسرتها ومدينتها ومدرستها وتلاميذها، قبل أن تتحول حياتها تحت القصف إلى رحلة من النزوح والألم.
يسقط القصف بيت غالية ومدرستها، ولا يترك لها سوى الخيمة، لكنها ترفض أن تكون الخيمة نهاية الحكاية، فتحولها إلى بداية جديدة. وفي خيمة بلا نوافذ ولا طاولات ولا مقاعد ولا وسائل تعليم، تصنع مدرسة من العدم، مستندة إلى مجموعة من الأطفال وبعض الطباشير، وإلى إيمان قوي بأن الحياة تستحق أن تستمر.
وتجعل غالية من التعليم وسيلة لمقاومة اليأس، ومن المدرسة فضاء للحلم، وتدفع الأطفال إلى التشبث بالعلم وانتظار اليوم الذي تنتهي فيه الحرب وتعود الحياة من جديد. وهنا لا يعود التعليم مجرد مهنة، ولا المدرسة مجرد جدران، وإنما يتحولان إلى فعل صمود ورسالة أمل في وجه الموت
وتتنقل الرواية بين غزة والجزائر، من خلال معلمة فلسطينية في غزة، ومعلمة جزائرية وناشطة جمعوية تطوعت لمساعدة الفلسطينيين المقيمين في الجزائر، وتعمل همزة وصل بينهم وبين عدد من الجمعيات الخيرية، في صورة تعكس ذلك الخيط الإنساني الممتد بين البلدين.
أما عنوان «غيمتان على نفس الحافة»، فيحمل رمزية خاصة، فالغيمتان هما معلمتان، واحدة من غزة وأخرى من الجزائر، تلتقيان على الحافة ذاتها، حافة الألم والأمل، والتعليم والعطاء، والصمود والحياة، وتحضر الغيمة هنا كناية عن العطاء الذي لا ينتظر مقابلا، تماما كما تمطر الغيمة دون أن تسأل الأرض إن كانت تستحق المطر.
ورغم حضور الحرب بقوة في الرواية، فإن جوهرها يظل مرتبطا بالحياة والعلم والأمل. إنها حكاية امرأة حاولت الحرب أن تسلبها كل شيء، فاختارت أن تواجهها بما تبقى لديها: الأطفال، والطبشورة، والكتاب، والإيمان بأن شعبا يتعلم لا يمكن أن يهزم بسهولة.
وهكذا يقدم علي سمارة رواية عن الحياة حين تقرر أن تقاوم الموت، وعن العلم حين يتحول إلى شكل من أشكال الصمود، وعن المعلم حين يصبح وجوده رسالة أمل تتجاوز حدود المدرسة والوطن.






