مشاريع عملاقة تضاعف الإمدادات عبر الطاقة النظيفة
دفعت الجزائر خلال السنوات الماضية مع شركائها الأوروبيين بمشروع ممر الهيدروجين الجنوبي نحو تحديد الشراكات الصناعية اللازمة لتجسيده في أقرب وقت ممكن، وتحتضن الجزائر غدا الاثنين 21 سبتمبر، لقاء يجمع رجال أعمال شركات جزائرية وألمانية لبحث تكنولوجيات الإنتاج والتخزين والنقل المرتبطة بهذا المشروع الضخم.
وبحسب العديد من المتابعين يعكس تواصل هذه اللقاءات اهتمام الطرفين ببناء علاقة تتجاوز إمدادات الطاقة التقليدية، لاسيما مع حاجة الصناعة الأوروبية إلى الطاقة النظيفة مع توجه الجزائر نحو تنويع صادراتها وتوسيع قاعدتها الإنتاجية في هذا المجال.
ويأتي اللقاء ضمن زيارة عمل تشمل الجزائر وتونس، بعد محطات سياسية واقتصادية أبرزها توقيع البلدين، إلى جانب ألمانيا وإيطاليا والنمسا، إعلان نوايا مشتركا بروما في جانفي 2025 لدعم الممر. ومن خلال هذا المسار، تعمل الدول الخمس على تقريب حسابات المنتجين وبلدان العبور والمشترين، لأن نجاح المشروع يتطلب التزاما متبادلا بالاستثمار والإمداد والشراء على مدى سنوات طويلة.
وتوضح مشاركة شركات متخصصة في التحليل الكهربائي وتحلية المياه وتهيئة الأنابيب طبيعة المرحلة التي يناقشها الشركاء، حيث تتقدم الاحتياجات الصناعية والتقنية ضمن جدول التعاون. وبالنسبة للجزائر، تتيح هذه اللقاءات تحديد ما تستطيع المؤسسات الوطنية إنجازه، وما تحتاج إلى اكتسابه من تكنولوجيا، والتفاوض على شراكات تمنحها دورا أوسع في الإنتاج والخدمات المرتبطة بالمشروع.
وتمنح المصالح الصناعية الأوروبية هذه التحركات بعدا استراتيجيا، فألمانيا وإيطاليا تحتاجان إلى مصادر للطاقة النظيفة تساعد مؤسساتهما على خفض الانبعاثات والحفاظ على تنافسيتها. وفي المقابل، تملك الجزائر إمكانات تؤهلها للمساهمة في تلبية هذا الطلب، مع الاستفادة من السوق الأوروبية لتطوير نشاط تصديري جديد، يرتبط بعقود واستثمارات يصعب فصلها عن استقرار العلاقات السياسية بين الشركاء.
وتستند الجزائر في هذه المعادلة إلى مساحة جغرافية هائلة هي الأكبر في افريقيا تقارب 2.38 مليون كيلومتر مربع وإشعاع شمسي مرتفع، يوفران إمكانات واسعة لإنتاج الكهرباء الضرورية للهيدروجين الأخضر، كما يمنحها القرب من أوروبا وشبكات الغاز القائمة أفضلية في النقل، بينما تتيح خبرتها في تشغيل المنشآت وحمايتها تقليص جوانب من المخاطر التي يحسبها المستثمرون قبل الالتزام بمشاريع طويلة الأجل.
ويؤكد مطورو الممر أهمية هذه البنية القائمة، إذ يخططون لإعادة استخدام أكثر من 65 بالمائة من منشآته، بعد التهيئة المطلوبة لنقل الهيدروجين. وتمنح هذه الإمكانية الاستثمارات السابقة قيمة إضافية، كما تعزز موقع الجزائر وتونس في مسار يصل إلى إيطاليا والنمسا وألمانيا، ويجمع بين موارد الإنتاج جنوب المتوسط ومراكز الاستهلاك الصناعي في أوروبا.
وتملك سوناطراك، في هذا الإطار، خبرة في إدارة المشاريع الكبرى والنقل والتسويق الدولي، وقدرات مالية تساعد على تطوير الاستثمارات مع الشركاء، ويعزز حضورها رصيد علاقات طاقوية مع أوروبا يتجاوز نصف قرن، ما يمنح الجزائر معرفة بالأسواق ومؤسساتها واحتياجاتها. وتضيف سونلغاز خبرتها في الكهرباء والشبكات، لتوفير قاعدة تنفيذ يستند إليها التوسع نحو الطاقات الجديدة.
شراكات تخدم التنويع الاقتصادي
ويربط هذا التوجه بين التحرك الخارجي وبرامج التنمية التي يقودها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، لتوسيع الاستثمار والإنتاج وتنويع الاقتصاد. فمشاريع الكهرباء المتجددة وتطوير الشبكات تمنح الشراكات المطروحة أساسا داخليا، وتتيح توظيف خبرة قطاع المحروقات في أنشطة جديدة، مع فتح مجالات للمؤسسات الوطنية في المعدات والهندسة والصيانة والخدمات.
وفي سياق متصل، تنجز الجزائر برنامج 3200 ميغاواط من الطاقة الشمسية عبر 22 محطة، ضمن هدف بلوغ 15 ألف ميغاواط في آفاق 2035، ووفق المعطيات التي نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية. ويخدم البرنامج تلبية الطلب الداخلي وتخفيف استهلاك الغاز في توليد الكهرباء، بالتوازي مع تهيئة قدرات تدعم إنتاج الهيدروجين وتوسع فرص تصدير الطاقة النظيفة.
وتفسر هذه المشاريع جانبا من توقعات شركة «موردور أنتيليجنس»، التي ترجح تسجيل الجزائر أسرع نمو بسوق الطاقات المتجددة الإفريقية خلال 2026ـ2031، بمعدل سنوي مركب يبلغ 42.51 بالمائة. ويعكس التقدير حجم التوسع الهائل والمنتظر مقارنة بالقدرات الحالية، ويربطه بالمشاريع الشمسية وتوجهات الهيدروجين، ما يجعل وتيرة الإنجاز عاملا حاسما في تحويل هذا التوقع إلى إنتاج فعلي.
وبحسب مطوري الممر، تتجاوز قدرة الاستيراد المحتملة أربعة ملايين طن سنويا، مع استهداف التشغيل مطلع الثلاثينيات، وتشمل الكمية مجموع الإمدادات عبر الممر، بينما تحدد الجزائر حصتها من خلال مشاريع الإنتاج والاتفاقات التجارية.
وبموازاة الهيدروجين، تبحث الجزائر تطوير تصدير الكهرباء نحو أوروبا عبر مشاريع ربط مستقلة، بما يوسع خيارات التعاون وتثمين الإنتاج المتجدد. ويتيح المساران توسيع المصالح المشتركة مع تونس والدول الأوروبية، وتوزيع فرص الاستثمار بين الإنتاج والعبور والخدمات، مع ضرورة مواكبة الطلب الوطني وضمان الموارد المائية والطاقة اللازمة للمشاريع الصناعية.
وتمنح اللقاءات الجارية الجزائر فرصة لتثبيت هذه الأولويات داخل الاتفاقات المقبلة، خصوصا نقل التكنولوجيا والإدماج المحلي وتكوين الكفاءات وعقود الشراء، فبقدر ما يحتاج الأوروبيون إلى إمدادات موثوقة، تحتاج الجزائر إلى شراكات توسع إنتاجها وتزيد القيمة المضافة داخل البلاد، وعلى هذا الأساس، يتحدد الأثر الاقتصادي والسياسي للممر، وقدرته على ترسيخ علاقة طويلة الأمد تقوم على مصالح متبادلة وإنتاج متنوع.

