إشـــراك الشبـاب والمؤسّســات الناشئـة والمصغّـرة في الديناميكيــة الاقتصاديـــة
ربــط الاستثمــار فـــي البحـث العلمـي والتكنولوجيا والمعرفة باحتياجـات المجتمــــع
سفـــير الاتحـاد الأوروبـي: نسعـى للاندمـاج الاقتصــــادي مـــع الجزائـــر
أكّد وزير اقتصاد المعرفة والمؤسّسات الناشئة والمصغّرة، البروفيسور نور الدين واضح، أنّ بناء اقتصاد وطني مستدام يقتضي إرساء منظومة متكاملة تقوم على احترام البيئة، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، وترسيخ الحوكمة الرّشيدة داخل المؤسّسات الجزائرية، معتبرا أنّ الابتكار والبحث العلمي يشكّلان أحد أهم المفاتيح لتحقيق هذه الأهداف.
قال واضح في كلمة لدى مشاركته في الطبعة الأولى من «قمة التميّز في البيئة والمجتمع والحوكمة»، التي خصّصت لمناقشة الأبعاد البيئية والاجتماعية والحوكمة في المؤسّسات الجزائرية والاقتصاد الوطني، أنّ هذه المحاور الثلاثة، المعروفة اختصارا بـ «ESG»، لم تعد مجرّد معايير حديثة تتبناها المؤسّسات، وإنما أصبحت جزءا أساسيا من الاقتصاد المعاصر، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالاستدامة والمسؤولية والأداء المؤسّساتي.
وفي هذا السياق، شدّد واضح على أنّ الابتكار يمثل حلقة الوصل بين البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة، مؤكّدا أنّ اعتماد المؤسّسات على الابتكار في ممارساتها اليومية يجعلها أكثر قدرة على تحقيق الاستدامة، واحترام البيئة، وتعزيز أثرها الاجتماعي، وتحسين أساليب تسييرها.
وشدّد على أنّ المؤسّسات مطالبة اليوم ليس فقط بتبني الابتكار كشعار، وإنما بجعله جزءا من طريقة عملها، من خلال الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا والمعرفة، وربط هذه العناصر باحتياجات الاقتصاد والمجتمع.
وفي حديثه عن الحوكمة، أبرز الوزير أنّ هذا الجانب يمثل محورا أساسيا في عملية تسيير المؤسّسات، باعتبار أنّ الحوكمة الجيّدة تضع القواعد التي تسمح للمؤسّسة بتحقيق أداء أفضل على المستويين البيئي والاجتماعي. وأكّد أنّ تحديث طرق تسيير المؤسّسات الاقتصادية العمومية والخاصة أصبح ضرورة تفرضها التحوّلات التي يعرفها الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أهمية اعتماد التخطيط والاستراتيجية ووضع الإنسان والمعرفة في صميم عملية التسيير.
..تمويــــل الأثــر
في محور آخر من مداخلته، توقّف واضح عند العلاقة بين معايير «ESG» والتمويل، داعيا إلى تطوير آليات تمويل جديدة تُأخذ بعين الاعتبار، إلى جانب الجدوى الاقتصادية والربحية، والأثر البيئي والاجتماعي للمشاريع. وأكّد أهمية تشجيع الهيئات التمويلية على تخصيص آليات وصناديق موجّهة للمشاريع التي تحقّق أثرًا بيئيا أو اجتماعيا، فضلًا عن دعم الابتكار والبحث العلمي وتمويل المشاريع التي يقودها الشباب والمهندسون والطلبة وخرّيجو الجامعات. وأوضح أنّ التحول من التمويل التقليدي إلى تمويل يأخذ بعين الاعتبار الأثر والاستدامة والابتكار، من شأنه أن يمنح الاقتصاد الوطني فرصًا جديدة للنمو، ويشجّع أصحاب الأفكار والمشاريع على تحويل ابتكاراتهم إلى حلول ومؤسّسات تساهم في خلق الثروة.
آليــــات تحفيزيـــــة
في السياق ذاته، أبرز واضح أنّ المشرّع الجزائري وضع جملة من الآليات التحفيزية والجبائية بهدف تشجيع البحث العلمي والابتكار، وإشراك الشباب والمبتكرين والمؤسّسات الناشئة والمؤسّسات المصغّرة في الديناميكية الاقتصادية الوطنية.
واعتبر الوزير أنّ توسيع مشاركة هذه الفئات في النشاط الاقتصادي يمثل رافعة أساسية لبناء اقتصاد مستدام يستجيب للمعايير الدولية، خاصة في ظل التحولات التي تفرضها التكنولوجيا والمعرفة والابتكار على المؤسّسات والاقتصادات الحديثة. كما أكّد أهمية مواصلة العمل على خلق تفاعل أكبر بين المؤسّسات الناشئة والمؤسّسات الاقتصادية، بما يسمح بتحويل الأفكار والابتكارات إلى مشاريع ذات قيمة مضافة، ويعزّز مساهمة الشباب في بناء الاقتصاد الوطني.
تعزيز الاندماج الصناعي والاقتصادي مع الجزائر
من جهة أخرى، أكّد أمس، سفير الاتحاد الأوروبي لدى الجزائر، دييغو ميادو باسكوا، أنّ الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تعزيز الاندماج بين أوروبا والجزائر على المستويين الصناعي والاقتصادي، وأنّ هذه المعايير تمثل عنصرا أساسيا في هذا المسار.
وقال السفير في كلمته خلال ذات اللقاء، أنّ الوصول إلى الأسواق الأوروبية أصبح مرتبطا كذلك بمسؤولية المؤسّسات في مجال البيئة والمجتمع والحوكمة، لافتا إلى أنّ قرارات في هذا المجال اتُخذت أيضا في أسواق كبرى أخرى، من بينها الولايات المتحدة وكندا والصين، حيث أصبحت هناك بدورها اهتمامات مرتبطة بمعايير «ESG».
وأوضح السفير، أنّ هذه المعايير أصبحت اليوم جزءا من طريقة عمل الاقتصادات والمؤسّسات، سواء في أوروبا أو الجزائر أو على المستوى العالمي، مشيرا إلى أنّ الابتكار نفسه أصبح مرتبطا بمعايير «ESG»، متسائلا حول إمكانية تحقيق ابتكار تنافسي حقيقي بمعزل عن هذه الاعتبارات، ليؤكّد أنّ ذلك لم يعد ممكنا، على الأقل في أوروبا، معتبرا أن الأمر ينطبق كذلك على الجزائر.
تبسيط الإجراءات وإلغاء الأعباء التنظيمية
في المقابل، تحدّث السفير عن التجربة الأوروبية في هذا المجال، مؤكّدا أنّ أوروبا تمكّنت من تحقيق تقدّم كبير في مجال «ESG»، لكنها ارتكبت في الوقت نفسه أخطاء كبيرة، وهو ما دفعها اليوم، في إطار النقاش المتعلق بالتنافسية، إلى العمل على تبسيط بعض الإجراءات وإلغاء بعض الأعباء التنظيمية، لاسيما فيما يتعلّق بمتطلبات الإبلاغ والتقارير.
وشدّد على أهمية دور الدولة والسلطات في الوصول إلى التوازن بين هذه المعايير، وأشار إلى آلية تعديل الكربون عند الحدود «CBAM» باعتبارها إحدى التطبيقات الملموسة لهذه المعايير، لاسيما في الجانب البيئي.
بينما تنظر الكثير من الدول ومن بينها الجزائر، على أنّ هذه الآلية تستعمل من جانب الاتحاد الأوروبي، كإجراء حمائي ضدّ صادرات الدول الأخرى القائمة إلى الفضاء الأوروبي بشكل يناقض التكامل التجاري.
وأبرز السفير أهمية الشراكة مع الجزائر، معتبرًا أنّ لها خصوصية في هذا المجال، من خلال وجود اقتصاد اجتماعي ذي توجّه سوقي، إلى جانب الخدمات الاجتماعية والبعد الاجتماعي الذي قال إنه حاضر كذلك لدى عدد من مسؤولي المؤسّسات.





