الإمدادات عبر الأنابيب تمنح الجزائر أفضلية في النقل البحري
المشاركة في بناء منظومة الطاقة النظيفة الأوروبية في الهيدروجين الأخضر
تمثل الجغرافيا الجديدة للطاقة، فرصة للجزائر لتعزيز موقعها ليس فقط كمورد للغاز، وإنما كفاعل طاقوي متكامل في الفضاء المتوسطي والأوروبي، وأصبحت تعتبر شريكا طاقويا قريبا وموثوقا لأوروبا، يمكن أن يضمن أمنها الطاقوي في ظل الأزمات الجيوسياسية، حسبما يبرزه المستشار الدولي في التنمية المستدامة عبد الرحمان هادف.
انطلق الخبير الدولي هادف من التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وتأثيرها في تدفّقات الغاز الطبيعي المسال، ليؤكّد في حديث لـ«الشعب” أنّ أمن الإمدادات الطاقوية، أصبح مرتبطا ليس فقط بحجم الموارد المتاحة، وإنما أيضا بتنوّع مصادرها ومسارات نقلها وقدرة الأسواق على التعامل مع الصدمات، مشيرا إلى أنّ الغاز الطبيعي لم يعد مجرّد سلعة في الأسواق الدولية، بل أصبح أحد مكونات الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للدول.
من خلال حديثه، أشار هادف إلى توقّعات الوكالة الدولية للطاقة حول الأسواق التي أصبحت أكثر تشدّدا ممّا كان متوقّعا، خصوصا خلال 2026 و2027، بفعل آثار الأزمة على بعض منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وقال إنه في هذه البيئة المتغيّرة، تبرز الجزائر بصورة متزايدة باعتبارها شريكا طاقويا قريبا وموثوقا لأوروبا.
في السياق، أضاف هادف أنّ الوكالة لا تكتفي بوصف الجزائر كمورد مهم، بل تؤكّد صراحة أنها ثالث أكبر مورد للغاز إلى الاتحاد الأوروبي، وأنّ أوروبا تعتمد على الغاز الجزائري في أمن الإمدادات، في حين يمثل السوق الأوروبي عنصرا أساسيا في أمن الطلب بالنسبة للجزائر، لافتا إلى أنّ صادراتها من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي، عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال، بلغت حوالي 35 مليار متر مكعب، كما تؤكّد المفوضية أنّ الحوار مع الجزائر يتّجه إلى تطوير شراكة طاقوية تشمل الغاز والطاقات المتجدّدة والهيدروجين.
تكتسب هذه المعطيات -بحسب هادف- أهمية إضافية في ظل التحول الجاري في سوق الغاز الأوروبية، مشيرا إلى أنّ الاتحاد الأوروبي نجح خلال السنوات الماضية في تنويع مصادر إمداداته، حيث انخفضت حصة الغاز الروسي من واردات الاتحاد من 45 في المائة في 2021 إلى 12 في المائة في 2025، وفي جانفي 2026، أصبح الإطار القانوني للتخلّص التدريجي من واردات الغاز الروسي نافذا، مع استهداف إنهاء واردات الغاز الروسي عبر الأنابيب في 2027.
ميــــــــزة وأفضليـــة
بالنسبة للمتحدث لا يعني هذا التحول استبدال مورّد بمورّد آخر، بل يعني بناء منظومة أوروبية أكثر تنوّعا ومرونة وأمنا، وهذا ما يجعل الجزائر تكتسب أهمية استراتيجية، لأنّ الجغرافيا تمنحها ميزة إضافية، تجعلها تمتلك مجموعة من المقومات التي تجعل موقعها مهما في هذه المنظومة الجديدة.
وذكر هادف في معرض حديثه، بما تمتلكه الجزائر من موارد غازية معتبرة، وبنية تحتية متطورة، وخبرة طويلة في الإنتاج والتصدير، وشبكات أنابيب مباشرة مع جنوب أوروبا، إضافة إلى قدرات في مجال الغاز الطبيعي المسال، والأهم بالنسبة له أنها تقع في موقع جغرافي قريب من الأسواق الأوروبية، بما يقلّل المسافة بين مصدر الطاقة ومراكز الاستهلاك.
في هذا الإطار، قال الخبير أنّ الإمدادات عبر الأنابيب تمنح الجزائر ميزة مهمة في بيئة تتزايد فيها المخاطر المرتبطة بالنقل البحري، وهذا البعد الجغرافي لا يلغي أهمية الغاز الطبيعي المسال، بل يجعل الجزائر قادرة على الجمع بين مرونة الغاز المسال واستقرار الإمدادات عبر الأنابيب، حيث يبرز مشروع أنبوب الغاز العابر للصّحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر، الممتد لنحو 4.128 كيلومترا، كرافعة إضافية للتموقع الطاقوي الجزائري، لافتا إلى أنّ المشروع لا يمثل مجرّد ممرّ لنقل الغاز النيجيري نحو الأسواق الأوروبية، بل يمكن أن يشكّل جسرا طاقويا بين غرب إفريقيا والمتوسط وأوروبا.
ويعتقد المتحدث أنه يمكن تحويل المكانة التي اكتسبها الغاز الجزائري في السوق الأوروبية، إلى دورة جديدة من الاستثمار في الإنتاج والاستكشاف والبنية التحتية، من خلال مؤشّرات يراها مهمة. على غرار مشروع تعزيز إنتاج حقل حاسي الرمل، الذي يعد أحد أهم المشاريع الاستراتيجية لسوناطراك، وهو يستهدف المحافظة على معدل إنتاج يبلغ حوالي 188 مليون متر مكعب يوميا، مع استرجاع احتياطيات إضافية على المدى الطويل تقدر بنحو 121 مليار متر مكعب من الغاز الجاف، إلى جانب مكثفات وغاز البترول المسال، التي من المقرّر أن تدخل مستويات الضغط الجديدة الخدمة تباعا بين أكتوبر 2026 وأفريل 2027.وتكمن أهمية هذا المشروع، كما يؤكّد المتحدث، في أنه لا يتعلق فقط بزيادة الإنتاج، بل بالمحافظة على استدامة أحد أهم أصول الغاز الجزائرية وتعويض الانخفاض الطبيعي في الإنتاج، مع الاستجابة في الوقت نفسه لاحتياجات السوق الوطنية والالتزامات التعاقدية الدولية.
وأضاف قائلا: “من المهم هنا ألا ننظر إلى العلاقة من زاوية حاجة أوروبا إلى الغاز الجزائري”. فالعلاقة تقوم على اعتماد متبادل ومصالح مشتركة، فأوروبا تبحث عن إمدادات موثوقة ومتنوعة، والجزائر تمتلك الموارد والموقع والبنية التحتية والخبرة للوصول إلى السوق الأوروبية.
كما عاد المتحدث إلى الحوار رفيع المستوى حول الطاقة مع الجزائر المنظم في فيفري 2026، الذي تمّ التأكيد من خلاله على أنّ بلادنا تظل موردا رئيسيا وموثوقا للغاز، وشجّعت في الوقت نفسه على زيادة الاستثمارات الأوروبية في قطاع المحروقات الجزائري، وهو يرى أنها فرصة يمكن أن تتجاوز منطق عقود التوريد إلى شراكة استثمارية في مستقبل الطاقة.
كما تحدث هادف عن المرحلة القادمة حيث يمثل الهيدروجين المتجدّد فرصة استراتيجية للجزائر، حيث وضع الاتحاد الأوروبي ضمن استراتيجية الهيدروجين و«REPowerEU” هدفا لإنتاج 10 ملايين طنّ من الهيدروجين المتجدّد محليا واستيراد 10 ملايين طنّ بحلول 2030.
وهنا ذكر الخبير بأنّ الجزائر تمتلك عناصر تنافسية مهمة على غرار موارد شمسية واسعة، مساحات كبيرة، قرب جغرافي من أوروبا، خبرة في قطاع الطاقة، بنية تحتية للغاز، وشبكات يمكن أن تساهم في بناء ممرات طاقوية مستقبلية.
كما يكتسب الممر الجنوبي للهيدروجين “ SoutH2 Corridor” بالنسبة للخبير هادف، أهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره تصورا لربط شمال إفريقيا بالأسواق الصناعية الأوروبية عبر إيطاليا والنمسا وألمانيا، بما يفتح مجالا جديدا أمام الجزائر للمشاركة في بناء منظومة الطاقة النظيفة الأوروبية، ويمكنها من أن تُصبح شريكا في بناء منظومة الطاقة المستقبلية للمتوسط وأوروبا.






