سلسلة صناعية ولوجستية متكاملة تمتــد علـــى مئـات الكيلومـترات
تقدّمت الجزائر خطوات مهمة في مسار تثمين ثرواتها المنجمية، مع الإطلاق الرسمي لأشغال مشروع الفوسفات المدمج، الذي يبرز كأحد أكبر المشاريع الصناعية المهيكلة للاقتصاد الوطني، من خلال إقامة منظومة إنتاج متكاملة تعيد بناء سلسلة القيمة، من المنجم إلى المنتج الصناعي النهائي، وتفتح أمام الاقتصاد الوطني آفاقا واسعة لخلق الثروة وتعزيز الصادرات، وتقليص الاعتماد على تصدير المواد الأولية.
كشفت المشاريع التي شهدتها ولايات عنابة، سوق أهراس، تبسة وبئر العاتر نهاية الأسبوع المنصرم، عن انتقال واضح من مرحلة استغلال الموارد المنجمية إلى مرحلة تثمينها محليا، من خلال ربط قطب بلاد الحدبة بمركب التحويل الكيميائي بوادي الكبريت، ثم بشبكة النقل والمنشآت المرفئية بميناء عنابة، بما يؤسّس لسلسلة صناعية ولوجستية متكاملة تمتد على مئات الكيلومترات، وتجمع بين الاستخراج والتخصيب والتحويل والنقل والتصدير.
وتكمن القيمة الاقتصادية الأساسية لهذا المشروع الاستراتيجي الضخم في قدرته على تحويل الفوسفات من ثروة طبيعية إلى مصدر مستدام للقيمة المضافة. فإلى جانب استخراج الخام وتوجيهه إلى الأسواق، يجري بناء منظومة متكاملة تسمح بتخصيبه وتحويله إلى أسمدة فوسفاتية وآزوتية ومنتجات كيميائية وسيطة، بما يتيح إنجاز مراحل التصنيع المرتبطة بالمادة الأولية داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية، ويوسع دائرة النشاط الاقتصادي ويعزّز فرص خلق الثروة محليا.
دورة اقتصادية وصناعية طويلة
يمثّل قطب بلاد الحدبة نقطة الانطلاق في هذه السلسلة، بطاقة استخراج تصل إلى 10.5 ملايين طن سنويا من الفوسفات الخام، بما يسمح بتوفير 5.5 ملايين طن من الفوسفات المخصب القابل للتسويق، فيما تصل طاقة إنتاج الفوسفات المركز إلى 3.2 ملايين طن سنويا، لتوفير المادة الأولية الضرورية لمركب التحويل الكيميائي بوادي الكبريت. وتعكس هذه الأرقام حجم الموارد التي يجري إدماجها في دورة اقتصادية وصناعية متكاملة، بما يتيح الانتقال من تسويق المواد الأولية إلى تصنيع منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
وفي وادي الكبريت، تنتقل الثروة المنجمية إلى مرحلة متقدمة من التثمين، من خلال مركب صناعي بطاقة أولية تبلغ 2.4 مليون طن سنويا من الأسمدة الفوسفاتية، إلى جانب 570 ألف طن سنويا من الأسمدة الآزوتية، فضلا عن إنتاج مواد كيميائية وسيطة أساسية، على غرار حمض الكبريتيك وحمض الفوسفوريك والأمونياك. وتكتسب هذه المنشأة أهمية خاصة باعتبارها قاعدة صناعية تتيح تطوير أنشطة إضافية مرتبطة بالأسمدة والصناعات الكيميائية والتحويلية.
وفي خضم هذا التحول، تبرز إحدى أهم المزايا الاقتصادية للمشروع، والمتمثلة في تحقيق الترابط بين قطاعات متعددة، وتوسيع دائرة الاستفادة من الثروة المنجمية. فالفوسفات المستخرج من تبسة يغذي صناعة التحويل في سوق أهراس، ومنتجات هذه الصناعة تستدعي خدمات النقل واللوجستيك والطاقة والصيانة والمناولة، قبل توجيهها إلى الأسواق عبر المنشآت المرفئية بعنابة.
وبذلك، يتحوّل المشروع إلى محرّك لسلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، تمتد آثارها إلى المؤسسات الصناعية والخدماتية، وقطاعات النقل والأشغال العمومية والمناولة والتكوين والبحث والتطوير، بما يعزز التكامل بين مختلف حلقات الإنتاج ويدعم النسيج الاقتصادي الوطني.
تعزيز التّنمية المحلية
وتكتمل هذه المنظومة بالرصيف المنجمي في ميناء عنابة، الذي يمثل الحلقة الأخيرة في السلسلة اللوجستية، ويتيح استقبال وشحن الفوسفات المخصب والأسمدة والمنتجات المرتبطة بها نحو الأسواق الوطنية والإقليمية والدولية.
وتبرز شبكة السكك الحديدية الممتدة على 422 كيلومترا كعنصر حاسم في تحقيق هذا التكامل، من خلال ربط مناطق الإنتاج بمواقع التحويل، وصولا إلى الواجهة البحرية، وتوفير قناة نقل مخصّصة قادرة على مواكبة التدفقات الكبيرة للمواد المنجمية والمنتجات الصناعية. كما يعكس إنجاز الرصيف المنجمي والمنشآت المرفئية المرتبطة به، بما فيها عمليات الردم على مساحة تقارب 82 هكتارا وإنجاز الهياكل الأساسية للرصيف، حجم الاستثمارات في البنية التحتية الموجهة لخدمة هذه الصناعة الواعدة.
وتكمن أهمية هذه الاستثمارات في قدرتها على ضخ ديناميكية اقتصادية جديدة، وإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للمناطق الشرقية للبلاد. فربط تبسة وسوق أهراس وعنابة ضمن سلسلة صناعية واحدة يمنح هذه الولايات أدوارا متكاملة في منظومة إنتاجية وطنية، ويخلق طلبا متزايدا على الخدمات والمؤسسات والمناولة والمهارات والكفاءات، بما يعزز التنمية المحلية ويوسّع قاعدة النشاط الاقتصادي خارج المراكز التقليدية.
كما يحمل المشروع بعدا استراتيجيا بالنسبة للقطاع الفلاحي، بالنظر إلى أن إنتاج ملايين الأطنان من الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية يضع موردا وطنيا أساسيا في خدمة الإنتاج الزراعي. فامتلاك قدرات محلية لإنتاج الأسمدة يتيح توفير جزء مهم من احتياجات الفلاحة من داخل الاقتصاد الوطني، وتقليص الحاجة إلى الاستيراد، وتعزيز أمن المدخلات الزراعية، مع إمكانية توجيه الفائض نحو الأسواق الخارجية.
أثر المشاريع على الصّناعة
ويتيح مشروع الفوسفات المدمج خلق قيمة اقتصادية في قطاع المناجم، بالتوازي مع بناء روابط إنتاجية تجمع بين الصناعة والفلاحة والتجارة الخارجية واللوجستيك، وهو ما يمنحه أثرا اقتصاديا يتجاوز المؤشرات المرتبطة بحجم الإنتاج وحده.
كما تفتح هذه المنظومة آفاقا واسعة لتطوير الصادرات خارج المحروقات، من خلال الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى تسويق منتجات صناعية ذات قيمة مضافة أعلى، خاصة الأسمدة والمنتجات الكيميائية المرتبطة بها. وينسجم هذا التحول مع مسار تنويع مصادر الدخل الخارجي، ويتيح للجزائر الاستفادة بصورة أوسع من موقعها الجغرافي، وقربها من الأسواق الإفريقية والمتوسطية والأوروبية.
وبالموازاة مع ذلك، تحمل هذه المشاريع أثرا مهما على الصناعة الوطنية، إذ إنّ تنفيذ هذا الحجم من الاستثمارات يخلق سوقا واسعة للمؤسسات الجزائرية الناشطة في مجالات الهندسة والأشغال العمومية والبناء والصيانة والخدمات الصناعية والنقل والمناولة. كما تتيح مشاركة الفروع والمؤسسات الوطنية في إنجاز مختلف مكونات المشروع تراكم الخبرات ونقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات، بما يعزز القدرات الصناعية الوطنية ويفتح المجال أمام توظيفها مستقبلا في مشاريع منجمية وصناعية أخرى.
وبذلك، ترسي الجزائر أسسا جديدة لاقتصاد يرتكز على تثمين الثروات الوطنية داخل الوطن، وتوسيع قاعدة الإنتاج والتصنيع والتصدير، وتحويل الموارد المنجمية إلى رافعة للتنمية الاقتصادية، بما يعزّز التكامل بين القطاعات ويرسّخ مقوّمات التنويع الاقتصادي، ويمنح المناطق الشرقية دورا محوريا في الخريطة الصناعية الوطنية.





