شقنان لـ”الشعب”: تهيئة الظروف لظهور سوق تنافسي ومستدام
احتضنت الجزائر، نهاية الأسبوع الماضي، الاجتماع الوزاري الثاني لممر الهيدروجين الجنوبي، بمشاركة الجزائر والنمسا وألمانيا وإيطاليا وتونس، وتوج بالتوقيع على “إعلان الجزائر”، الذي ينص على إنشاء أمانة مخصصة للدعم التقني للممر، بمرافقة منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “اليونيدو”، مع التأكيد على الأهمية الاستراتيجية للمبادرة باعتبارها رافعة للاندماج الإقليمي والأورو-متوسطي في مجال الطاقات الخضراء.
يستهدف المشروع نقل 4 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنويا من الجزائر إلى الدول الأوروبية الثلاث، عبر خط يمتد لنحو 3000 كلم، وهي كميات تعادل 10 بالمائة من الطلب الأوروبي المتوقع على هذا الوقود النظيف بحلول 2040. كما يجدد الإعلان الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الإقليمي والأورو-متوسطي في مجال الهيدروجين الأخضر، ودعم مواصلة تطوير الممر من خلال إرساء حوار منتظم ومنظم بين البلدان الشريكة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير في الطاقات المتجددة والانتقال الطاقوي علي شقنان لـ«الشعب”، أن “إعلان الجزائر الوزاري” يمثل انتقالا من مرحلة النوايا السياسية إلى مرحلة التجسيد الفعلي للمشروع.
وقال شقنان: “أعتقد أننا انتقلنا من النوايا السياسية إلى مرحلة التجسيد. خلال الاجتماع الأول بتاريخ 21 جانفي 2025 بروما، كان الأمر يتعلق بإعلان نوايا سياسي، بينما تحولت النوايا خلال الاجتماع الثاني بالجزائر إلى وثيقة تجسيد، تمحورت عمليا حول ثلاث نقاط هامة ومفصلية”.
وأوضح أن أولى هذه النقاط تتمثل في “إنشاء أمانة دائمة للمشروع بدعم فني من اليونيدو، أو منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، وهي أول هيكل حوكمة تنفيذي للممر”.
أما النقطة الثانية فتتمثل في “إرساء حوار منتظم ومنظم بين الدول الخمس لتهيئة الظروف لظهور سوق تنافسي ومستدام”، في حين تتمثل الثالثة، حسب الخبير، في “توسيع دائرة الالتزام لتشمل مشغلي شبكات النقل وسلطات الضبط والمؤسسات المالية والمنتجين والمشترين”. وأكد أن “المشروع ينتقل من الدبلوماسية الطاقوية إلى هندسة المشروع”.
وأضاف: “إن إعلان الجزائر هو إعلان ميلاد سوق متوسطية جديدة للهيدروجين الأخضر. والجزائر، بفضل موقعها وشمسها وشبكتها، لم تعد على الهامش، بل في قلب هذه السوق”.
وبشأن تحديد هدف نقل 4 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنويا عبر مسار يمتد لنحو 3000 كلم، أكد شقنان أن ذلك يمثل انتقالا حقيقيا نحو التنفيذ، قائلا: “هذا هو الانتقال الحقيقي. أعتقد أن تحديد الرقم ليس إعلانا، بل هو تعهد سوقي والتزام قانوني”.
وأضاف أن مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين يعد “أحد أهم وأضخم مشاريع الطاقة الاستراتيجية بين شمال إفريقيا وأوروبا”، مشيرا إلى أن المخطط يعتمد على تحويل أكثر من 65 بالمائة من أنابيب الغاز الموجودة إلى هيدروجين، معتبرا أن ذلك “يخفض التكلفة والوقت بشكل جذري”، من خلال إعادة استخدام وتعديل أنابيب الغاز الطبيعي القائمة، عوض بناء شبكة جديدة من الصفر.
دلالة جيوسياسية
واعتبر شقنان أن استهداف 10 بالمائة من الطلب الأوروبي المتوقع لا يمثل مجرد رقم تقني، وإنما يحمل أبعادا جيوسياسية، موضحا: “هذه النسبة ليست رقما تقنيا، بل هي رسالة جيوسياسية تحمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة بين قارتين، إفريقيا وأوروبا”.
وأضاف: “أوروبا تريد تنويع إمداداتها وتأمين مستقبلها الطاقوي من جهة، والجزائر تضع نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه من جهة أخرى”. ويرى أن هذه النسبة تجعل الجزائر موردا رئيسيا في منظومة أمن الطاقة الأوروبي، وتمنحها مساحة تفاوضية واسعة بشأن التسعير وشروط التكنولوجيا، بحكم امتلاكها لشريان طاقوي رئيسي.
وشرح أن “القوة التفاوضية تعني أن الجزائر لم تعد مجرد بائع ينتظر من يشتري، بل أصبحت شريكا استراتيجيا يملك مفاتيح الحل، ويستطيع صياغة قواعد اللعبة بما يحقق أقصى منفعة لاقتصاده الوطني”.
وأكد أن “أوروبا تحتاج الهيدروجين الأخضر لتحقيق أهدافها البيئية ولتشغيل مصانعها، والجزائر تقدم لها حلا سريعا بفضل قربها الجغرافي ووجود خطوط الأنابيب القائمة”.
دراسة 2027.. أربعة ملفات تحسم مستقبل المشروع
وبخصوص دراسة الجدوى المرتقبة في 2027، حدد الخبير أربعة عناصر حاسمة، أولها التكلفة الحقيقية للهيدروجين الأخضر، متسائلا: “هل يمكننا إنتاج الهيدروجين الأخضر بأسعار تنافسية عالميا في الجزائر بأقل من 2.5 دولار/كغ؟”.
وأوضح أن الجزائر تتوفر على إمكانات كبيرة، تشمل الشمس والمساحات الشاسعة لإنتاج الكهرباء النظيفة، إضافة إلى مياه البحر وخطط التحلية، مشيرا إلى أن التكلفة ترتبط كذلك بسعر المحللات الكهربائية وتكلفتها الرأسمالية، إلى جانب تكلفة التمويل والفوائد البنكية.
أما العنصر الثاني فيتعلق بالمسار النهائي، حيث يرى ضرورة “تأكيد المسار البحري عبر تونس – صقلية، كونه المسار الأقصر والأكثر منطقية جغرافيا وهندسيا للربط بين شمال إفريقيا وجنوب إيطاليا”، مع “استقرار الاتفاقيات الثلاثية، الجزائر – تونس – إيطاليا، وتأمين الأنابيب البحرية في أعماق المتوسط”.
ويتعلق العنصر الثالث بالجدول الزمني للتشغيل التدريجي بداية من أوائل 2030، حيث اعتبر أن تحويل الأنابيب القائمة بنسبة 65 بالمائة يمنح إمكانية البدء في هذا الموعد، لكونه يختصر سنوات طويلة من الحفر والاستملاك.
أما العنصر الرابع، حسبه، فيرتبط بـ«نموذج الأعمال: من يمول ماذا؟ وكيف يتم تقاسم المخاطر؟”، مؤكدا أن “الاتحاد الأوروبي مطالب بتقديم ضمانات مالية ودعم مباشر عبر بنك الهيدروجين الأوروبي لتقليل المخاطر على الشركات المنفذة”.
وخلص شقنان إلى أن “العناصر الأربعة قابلة للتحقيق عمليا، والجزائر في موقع ممتاز لتنفيذ الجزء الخاص بها، لكن تحويل النوايا الحسنة إلى واقع يتطلب صياغة عقود قانونية ومالية صارمة توزع المخاطر وتضمن الأرباح لجميع الأطراف بنفس القدر”.




