اعتبر رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، محاولة الانقلاب الأخيرة في النيجر استفزازا واضحا ومباشرا للجزائر، مؤكّدا خلال لقائه الدوري مع الصحافة الوطنية، أنّ دعم نيامي شمل التنمية والطاقة والتعاون العسكري، وهو موقف يضع استقرار هذا البلد الجار ضمن المصالح التي تتحرك الجزائر لحمايتها حاليا وفي المستقبل.
ربط الرّئيس تبون المحاولة الانقلابية بالتزامن مع زيارة رئيس حكومة النيجر إلى الجزائر، كاشفا عن إرسال طائرات مقاتلة كرد على تلك العملية “الاستفزازية”، كما أوضح أنّ الوقوف إلى جانب نيامي جاء دفاعا عن الأصدقاء والمصالح المشتركة، مع إشارته إلى جهات قال إنّها تمادت في تصرّفاتها.
وتحمل هذه التصريحات رسالة مفادها أنّ زعزعة استقرار النيجر تترك آثارا مباشرة على محيط الجزائر الأمني، فأي اضطراب جديد يمكن أن يوسّع المجال أمام الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب، ويزيد الضغوط على الحدود المشتركة، فضلا عن تعطيل التعاون الذي يحتاج إلى مؤسسات مستقرّة وقادرة على تنفيذ التزاماتها.
كذلك، يكتسب توقيت المحاولة أهمية في قراءة الموقف الجزائري، فربطها بزيارة رئيس الحكومة النيجرية يعني أن الرئيس يرى فيها استهدافا للتقارب بين البلدين. ومن هذا المنظور، يبدو الإعلان عن الدعم العسكري رسالة ردع إلى الجهات التي تحدّث عنها، وتأكيدا لاستعداد الجزائر لحماية مصالحها المشتركة مع جيرانها.
وبالتوازي، أكّد رئيس الجمهورية أنّ التنمية هي أساس الاستقرار في منطقة الساحل، مشيرا إلى أنّ العسكرة لا تحقق هذا الهدف، بل تعمّق الأزمات. وهنا تبرز دلالة الجمع بين مساعدة النيجر أمنيا ودعمها اقتصاديا، لأن التعامل مع تهديد حالي يختلف عن بناء شروط استقرار دائم ومستدام يحتاج إلى خدمات وفرص عمل ومؤسسات قادرة على الاستجابة لحاجات المواطنين اليومية.
ويقدّم التعاون في مجال الطاقة مثالا على هذا التوجه، إذ دشّن البلدان، في الثالث من جوان الماضي، محطة توليد الكهرباء للتضامن الجزائري النيجري بمنطقة غوروباندا، وتتّسع هذه المصالح مع مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يستهدف نقل الغاز من نيجيريا إلى الجزائر مرورا بالنيجر، بما يبين أن استقرار البلد يرتبط أيضا بفرص تكامل اقتصادي إقليمي، وأن الاضطراب يهدد مصالح تتجاوز طرفا واحدا.
الحوار ومكافحة الإرهاب
وفي سياق متصل، أكّد الرّئيس تبون أنّ الجزائر لا تتدخّل في الشؤون الداخلية لمالي، وأنّ دورها في معالجة الأزمة كان دور الوسيط، مبديا استعدادها للمساعدة إذا طلبت باماكو ذلك، كما أشار إلى زيارة مرتقبة للرئيس المالي، وإلى الروابط البشرية والقبلية التي تجعل البلدين أقرب ممّا تتصوّره أطراف أخرى.
وتفتح تصريحات رئيس الجمهورية الباب لتغليب لغة الحوار بين البلدين الجارين، خصوصا أنّ امتدادات الأزمة المالية تتجاوز الحدود، وتكمن أهمية الوساطة في إتاحة معالجة الخلافات السياسية بما يحفظ وحدة البلاد، ويجنب السكان استمرار المواجهات، مع التمييز بين المطالب التي يمكن بحثها عبر الحوار ونشاط التنظيمات الإرهابية. كما أنّ الروابط الاجتماعية المشتركة تجعل حماية السكان واستعادة الثقة عنصرين أساسيين في نجاح أي تقارب.
وبالنسبة لمكافحة الإرهاب، أعلن تبون استعداد الجزائر لمساعدة مالي والنيجر على مواجهة الجماعات الناشطة في الساحل، مشيرا إلى أطراف تغذّيها، وهو تحذير يلفت إلى أهمية مواجهة مصادر الدعم إلى جانب النشاط الميداني لهذه التنظيمات، فاستمرار قدرتها على التمويل والتجنيد يطيل عمر التهديد. ويعكس الجمع بين عرض المساعدة ورفض التدخل تصورا يقوم على تعاون دول المنطقة في حماية أمنها، مع إبقاء الحل السياسي متاحا.
المفاوضات والقرار الصّحراوي
أما في ما يخص قضية الصّحراء الغربية، فأكّد رئيس الجمهورية أن القرار يعود إلى الصحراويين، وأنّ الجزائر تظل سندا لهم، مشدّدا على أنه لا يمكن إرغام الشعب الصحراوي على اتخاذ قرار ينفي وجوده، وهي تصريحات تضع إرادة هذا الشعب في صلب أي تسوية.
وأوضح رئيس الجمهورية أنّ الجزائر وموريتانيا تشاركان بصفة ملاحظين، فيما تتعلق المفاوضات بالطرف الصحراوي والمغرب، كما أكد أن ما عرضه وزير الخارجية أحمد عطاف في الأمم المتحدة يعبّر عن موقف الجزائر، بما يوضّح حدود دورها في المسار السياسي، ويؤكّد استمرار مساندتها للصحراويين. وهو تمييز بين مساهمة دول الجوار في تهيئة مناخ التسوية، وبين امتلاك الحق في حسم مضمونها أو تقديم تنازلات نيابة عن أصحاب القضية.
مضيق هرمز.. استقلال القرار والاستعداد للوساطة
وفي امتداد للمقاربة الجزائرية، أكّد رئيس الجمهورية أنّ البواخر الجزائرية تمر عبر مضيق هرمز دون مشكلات، موضّحا أن الجزائر لا تسعى إلى افتعال الأزمات مع الآخرين، ومجدّدا استعدادها للمساهمة في التهدئة على المستوى الدولي بقوله: “ومن يطلب الوساطة أو المساعدة فنحن هنا”، وهو تعبير واضح عن استعداد الجزائر لحماية المصالح الوطنية والدولية بالحفاظ على إمكانية التواصل والمساعدة بين مختلف الأطراف في معالجة النزاعات.
وتبرز في هذه التّصريحات أهمية استقلال القرار الدبلوماسي، خاصة أنّ الحفاظ على قنوات الاتصال يمنح الجزائر مساحة للتحرك في ظروف تتعقّد فيها العلاقات بين الدول، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
