الناتج الداخلي الخام يقترب من مستوى 400 مليار دولار
صون احاياطي الصرف..وعدم الوقوع في فخ المديونية
ترسيخ الاستقلالية المالية والاقتصادية بعيدا عـن ضغــوط المؤسسات الدولية
تواصل الجزائر تنفيذ إصلاحات اقتصادية لتعزيز الإنتاج الوطني، وتشجيع الاستثمار، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الصادرات خارج قطاع المحروقات، في إطار رؤية رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، التي أكّدها في أكثر من مناسبة، وجدّد التأكيد عليها خلال لقائه الإعلامي الذي بث مساء أول أمس.
تكتسي التصريحات الأخيرة لرئيس الجمهورية أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباطها بملفات استراتيجية بالنسبة للاقتصاد الوطني، وفي مقدّمتها النمو الاقتصادي، واحتياطي الصرف، والمداخيل بالعملة الصعبة، وتطوير اقتصاد منتج قادر على خلق الثروة ومناصب الشغل.
وأكّد الرئيس أنّ بلادنا دخلت مرحلة جديدة عنوانها تعزيز الإنتاج الوطني، وتنويع الاقتصاد، وترسيخ “الاستقلالية” المالية والاقتصادية للبلاد، بعيدا عن “ضغوط” المؤسّسات المالية الدولية أو ربط الاقتصاد بالمديونية الخارجية.
نمو اقتصادي يتجاوز التوقّعات
أكّد الرئيس تبون أنّ الاقتصاد الوطني مرشّح لتحقيق معدل نمو يتراوح بين 4.01 و4.02 بالمائة خلال سنة 2026، وهي نسبة تتجاوز التوقّعات التي أشار إليها صندوق النقد الدولي مؤخّرا.
ويعكس ذلك الديناميكية التي يعرفها الاقتصاد الوطني بفضل الاستثمارات والمشاريع الجديدة التي دخلت حيّز الإنجاز أو الإنتاج في مختلف القطاعات، حيث تراهن الجزائر في هذا السياق على توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، وعدم حصر النمو في قطاع المحروقات، من خلال تطوير الصناعة والمناجم والفلاحة والصناعات التحويلية والطاقة، إلى جانب دعم المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة.
400 مليار دولار.. في هذا الموعد
تسعى السلطات العليا في البلاد إلى بلوغ الناتج الداخلي الخام للجزائر مستوى 400 مليار دولار مع نهاية سنة 2026 أو بداية سنة 2027، مثلما أكّد عليه الرئيس، حيث يعكس هذا الهدف الحركية التي يشهدها الاقتصاد الوطني والاستثمارات المتزايدة في مختلف القطاعات.
ويرتبط هذا الطموح بتعزيز الإنتاج الوطني، وتوسيع النشاط الصناعي والمنجمي والفلاحي، ورفع مساهمة القطاعات المنتجة في خلق القيمة المضافة، إلى جانب تطوير الصادرات خارج المحروقات.
كما أنّ بلوغ هذا المستوى من الناتج الداخلي الخام سيكون، وفق التصور الذي عرضه رئيس الجمهورية، نتيجة لمسار اقتصادي يقوم على الاستثمار وتثمين الموارد الوطنية وتنويع مصادر النمو، بما يعزّز مكانة الجزائر ضمن الاقتصادات الإفريقية ويدعم قدرتها على مواصلة تمويل مشاريع التنمية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
50 مليار دولار.. مداخيل سنوية قارة
شكّل احتياطي الصرف محورا مهما في حديث رئيس الجمهورية، باعتباره أحد أهم مؤشّرات الاستقرار المالي وقدرة البلاد على مواجهة التقلّبات الاقتصادية الخارجية.
وأكّد الرئيس أنّ الجزائر حريصة على المحافظة على احتياطي صرف في مستوى يسمح بضمان الاستقرار الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، مع العمل في الوقت نفسه على تطوير مصادر جديدة للعملة الصعبة.
ومن أبرز الأهداف التي طرحها الرئيس تبون الوصول إلى مداخيل سنوية معتبرة من العملة الصعبة خارج قطاع المحروقات، والوصول إلى مداخيل قارة تناهز 50 مليار دولار سنويا من مجموعة من القطاعات، بينها صناعة السيارات، والمناجم، والحديد، والصناعات الكهربائية والكهرومنزلية، والشرائح الإلكترونية، إلى جانب بقية الصناعات والقطاعات المنتجة.
ويمثل هذا التوجّه تحوّلا مهما في فلسفة الاقتصاد الوطني، إذ أصبحت الأولوية تقوم على تطوير القدرة الإنتاجية المحلية، وخلق منتجات وطنية “صنع في الجزائر” قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وترتبط المحافظة على الموارد المتاحة من العملة الصعبة بعدة عوامل، من بينها تطورات أسعار المحروقات باعتبارها أحد أهم مصادر الإيرادات بالعملة الصعبة، ومستوى الواردات، إلى جانب قدرة الاقتصاد الوطني على خلق مصادر جديدة للعملة الأجنبية، ما يبرز أهمية الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى رفع الصادرات خارج المحروقات، بما يسمح بزيادة تدفّقات العملة الصعبة وتقوية قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلّبات في الأسواق الدولية.
تعزيـــز الصــــادرات
يعكس هذا التطور توسّع الإنتاج الوطني وقاعدة المصدّرين، ويفتح آفاقا أكبر نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية والآسيوية، بما يعزّز حضور المنتج الجزائري دوليا، ويوفّر مداخيل إضافية من العملة الصعبة، ويدعم مسار تنويع الاقتصاد الوطني.
وتعتمد الجزائر لتحقيق هذا الهدف على عدد من المشاريع والقطاعات التي يجري تطويرها أو إطلاقها، وفي مقدّمتها قطاع المناجم. ويبرز مشروع غارا جبيلات ضمن المشاريع الاستراتيجية الرامية إلى تثمين الثروات المنجمية الوطنية، ليس فقط من خلال استخراج الحديد، وإنما أيضا عبر تطوير سلسلة صناعية مرتبطة بتحويل المادة الأولية وإدماجها في الصناعة الوطنية.
كما يحضر مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة ضمن هذه الرؤية، مع برمجة انطلاقه خلال سنة 2027، بما يتيح تثمين المواد المستخرجة محليا وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
ولا تتوقف الرهانات عند قطاع المناجم، إذ تراهن الجزائر كذلك على عدد من الصناعات التي يمكن أن تشكّل قاطرة للصادرات خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها الصناعات الغذائية، والصناعات الكهربائية والكهرومنزلية، والإلكترونيات، إلى جانب صناعة السيارات وغيرها من الأنشطة الصناعية.
ويقوم هذا التوجه على الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى تثمينها وتحويلها محليا، وزيادة نسبة الإدماج الوطني، وتطوير منتجات قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
سيادة القرار الاقتصادي وبناء القوة الذاتية
لم يعد الرهان الاقتصادي للجزائر، وفق رؤية رئيس الجمهورية، مرتبطا فقط بحجم احتياطي الصرف، وإنما بقدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج موارده والحفاظ عليها وتجديدها، إلى جانب “ترشيد صرف العملة الصعبة حماية لاحتياطات الصرف وضمان السيادة”، كما أكّد عليه الرئيس.
فالاستقلالية المالية التي تحدّث عنها الرئيس تبون تقوم على امتلاك مصادر متنوعة للدخل، خاصة من خارج المحروقات، عبر تطوير الصناعة والمناجم والفلاحة والصادرات، مع التحكّم في الواردات وتقليص الإنفاق بالعملة الصعبة.
وبذلك تصبح الجزائر أكثر قدرة على تمويل المشاريع وحماية اقتصادها من تقلّبات الأسواق العالمية، بما يعزّز استقلالية قرارها الاقتصادي، مع تقليص الحاجة إلى الاقتراض الخارجي وعدم الارتهان لمصدر واحد للعملة الصعبة.
ولا يرتبط ذلك فقط بارتفاع احتياطي الصرف، وإنما ببناء اقتصاد منتج قادر على توليد الثروة بشكل مستدام، من خلال رفع الصادرات خارج المحروقات، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتطوير قطاعات الصناعة والمناجم والفلاحة، بما يعزّز المداخيل الوطنية ويحافظ على الاستقرار المالي.
ويشكّل تقليل اللّجوء إلى الديون الخارجية أحد أوجه هذه الاستقلالية، إلى جانب امتلاك احتياطي صرف قوي ومصادر متنوعة للعملة الصعبة، بما يمنح الجزائر هامشا أكبر في اتخاذ القرارات الاقتصادية وتمويل البرامج التنموية بعيدا عن الضغوط المالية الخارجية، والتي عبّر عنها الرئيس صراحة بقوله: “نؤكّد مرة أخرى أنه لا استدانة من صندوق النقد الدولي”.


