يمثل تأكيد رئيس الجمهورية على بلوغ الجزائر مرحلة متقدمة جدا في مجال الرقمنة مؤشرا على التحول الذي تشهده مختلف القطاعات، لاسيما في تسيير المعلومات ومراقبة المعاملات الاقتصادية، بما يعزز الشفافية ويحسن أداء الاقتصاد الوطني كما تساهم ايضا، في تعزيز الرقابة والحد من التجاوزات الاقتصادية.
في هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي سليمان ناصر لــ«الشعب” أن تصريح رئيس الجمهورية خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام، بشأن بلوغ الجزائر مرحلة متقدمة في الرقمنة، يعكس أهمية هذا التحول، الذي لم يعد يقتصر على تسهيل الإجراءات وتقليل استعمال الوثائق، بل أصبح يتيح ربط المعلومات بين مختلف الإدارات والقطاعات، ويساعد على تتبع العمليات واكتشاف الاختلالات في وقت مبكر.
وأكد ناصر، أن الجزائر قطعت أشواطا مهمة في مجال الرقمنة، خاصة بعد أن حظي هذا الملف باهتمام كبير من السلطات العمومية، مذكرا بأن رئيس الجمهورية شدد، منذ سنوات، على ضرورة تسريع مسار الرقمنة، وهو ما تلاه إنشاء المحافظة السامية للرقمنة برتبة وزارة.
وأوضح محدثنا أن هذه الجهود ساهمت في توسيع استخدام الرقمنة ليشمل مختلف القطاعات، حتى تلك التي كان إدماج التكنولوجيا الرقمية فيها يبدو أكثر صعوبة، على غرار قطاع الفلاحة، مشيرا إلى أن الرقمنة أصبحت اليوم حاضرة في العديد من المجالات والخدمات.
وفيما يتعلق بدور الرقمنة في كشف التجاوزات والممارسات التي كانت تنخر الاقتصاد الوطني، أكد ناصر أنها أصبحت أداة أساسية لكشف الاختلالات، من خلال ربط المعلومات بين مختلف القطاعات وتتبع المعاملات الاقتصادية، وأوضح أن ربط قواعد البيانات يتيح رصد التجاوزات مبكرا ويعزز الرقابة على المعاملات الاقتصادية، وقال إن المعطيات التي تم الكشف عنها مؤخرا، لاسيما في مجال التجارة الخارجية، أظهرت وجود مستوردين وشركات وهمية، إلى جانب حالات تضخيم لطلبات الاستيراد، مشيرا إلى وجود شركات تضم عاملا أو عاملين فقط وتقدم طلبات بمبالغ كبيرة، فضلا عن حالات وجود عدد من الشركات المسجلة على عنوان واحد.
وأوضح ناصر أن هذه الممارسات أصبح من الممكن اكتشافها بفضل استخدام الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الحديثة، التي تسمح بالتمييز بين المستورد الحقيقي والوهمي، وبين الشركات الفعلية والوهمية.
واعتبر الخبير أن ربط المعلومات بين مختلف القطاعات سيسمح مستقبلا بكشف تجاوزات أخرى في مجالات متعددة، على غرار الفلاحة والصناعة والسياحة والتوزيع والعقار وغيرها، مؤكدا أن توسيع نطاق الرقمنة سيجعل التلاعب بالمعلومات أكثر صعوبة، وأضاف أن توحيد البيانات وتعزيز تبادل المعلومات سيعززان الرقابة ويكشفان المخالفات بشكل أسرع.
كما تتيح الرقمنة – يقول المتحدث – مقارنة المعلومات والتصريحات بين مختلف الإدارات، وهو ما يعزز الشفافية ويساعد على اكتشاف التصريحات غير الصحيحة والتضخيم في المعطيات، مستشهدا بما أكده رئيس الجمهورية بأن “الكمبيوتر لا يكذب”.
وفي هذا السياق، اعتبر المتحدث أن الخطوة المقبلة ينبغي أن تركز بشكل أكبر على رقمنة قطاع المالية، بالنظر إلى دوره المحوري في تسيير مختلف القطاعات الاقتصادية، مؤكدا ان وزارة المالية تضم قطاعات ومصالح مرتبطة بالبنوك وحسابات الأفراد والشركات، إضافة إلى مصالح الضرائب والتصريحات الجبائية، ما يجعل رقمنة هذا القطاع بشكل أوسع عاملا مهما في تعزيز الرقابة على حركة الأموال والنفقات.
وأوضح أن قطاع المالية يشهد بدوره تقدما في مجال الرقمنة، غير أنه يحتاج إلى مواصلة هذا المسار للوصول إلى المستوى المطلوب، مؤكدا أن تعزيز الرقمنة في هذا القطاع سيساهم في التحكم بشكل أكبر في النفقات، وكشف الاختلالات والمتعاملين الوهميين ومختلف التجاوزات.
وقال ناصر إن أهمية رقمنة قطاع المالية تكمن في كونه يرتبط بمختلف القطاعات الأخرى، باعتبار أن كل القطاعات تحتاج إلى التمويل وتملك حسابات ومعاملات مالية، سواء تعلق الأمر بالصناعة أو السياحة أو الثقافة أو الأشغال العمومية وغيرها.
وأكد ختاما، إن استكمال مسار ربط مختلف القطاعات وتوسيع رقمنة قطاع المالية يبرز كخيار حاسم لتعزيز الشفافية وتحسين متابعة النشاط الاقتصادي، لاسيما من خلال إحكام الرقابة على المعاملات وتضييق هوامش التجاوزات، ومن شأن هذا التحول أن يساهم في الحد من الغش والتهرب، ورفع كفاءة آليات الرقابة، بما يرسخ أسس حوكمة أكثر فعالية ويدعم جهود الدولة في تنظيم الاقتصاد الوطني وتعزيز موارده.


