تشهد الصّناعة التحويلية في أوروبا تحولا نوعيا في مقاربة إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ إذ يتجه المصنعون نحو التخلي عن استراتيجيات الاستبدال الشامل والمكلف للتجهيزات والمعدات الصناعية، مفضلين انتهاج مسار واقعي وتدريجي يقوم على الربط الذكي للآلات القائمة واستغلال البيانات التشغيلية لتحويل التراث الصناعي إلى مصدر قوة وميزة تنافسية.
وأظهرت معطيات رسمية صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) ارتفاعا لافتا في تبني الذكاء الاصطناعي الصناعي، حيث بلغت نسبة المصنعين المعتمدين على تقنية واحدة على الأقل من أدوات الذكاء الاصطناعي 17 بالمائة عام 2025 مقابل 7 بالمائة خلال العام الذي سبقه، وأكد نائب الرئيس والمدير العام لفرع أوروبا بمجمع “تاتا للاتصالات”، أميت كابور، أن هذه القفزة الرقمية تخفي وراءها عوائق اقتصادية وعملياتية حقيقية، لا سيما ما تعلق بارتفاع تكاليف اقتناء آلات ومعدات جديدة، وتعقيدات البيئات الإنتاجية التي تعتمد على تجهيزات سابقة ومنظومات تحكم تقليدية غير مصممة لمعالجة تدفقات الاتصال السريع ونقل البيانات فائقة السرعة.
وأوضح المصدر ذاته أن الخيار الأكثر جدوى يتمثل في الانتقال التدريجي عبر التوفيق والتقارب بين تكنولوجيا المعلومات (IT) والأنظمة العملياتية (OT)؛ فمن خلال تزويد العتاد القائم بوسائط ربط مؤمنة وبوابات طرفية ومنصات معطيات متكاملة، ينجح الصناعيون في تحقيق مكاسب نوعية ملموسة ومباشرة، تشمل تدعيم الصيانة الاستباقية لتقليص الأعطال، وتأكيد معايير الجودة، وتحسين الاستهلاك الطاقوي، وضمان تخطيط أمثل لوتيرة الإنتاج، مع الحفاظ على استمرارية النشاط وحماية الرساميل والاستثمارات السابقة.
وتعتمد المصانع الرائدة منهجية الانطلاق عبر عدد محدد من الخطوط الإنتاجية الحيوية، وتأسيس قواعد بيانات موحدة بين المنظومات القديمة والحديثة لإثبات الجدوى الاقتصادية للتحول الرقمي والحد من المخاطر قبل التعميم الموسع للتقنية.
ووفقا للرؤية التقنية المطروحة، تمثل البيانات الصناعية أصلا استراتيجيا حقيقيا متى جرى جمعها وسياقتها وتحليلها بفاعلية، مع مراعاة الخصوصيات الميدانية للمصانع، لاسيما سرعة اتخاذ القرار التي تتطلب أحيانا بضعة أجزاء من الألف من الثانية، وحساسية بعض المعطيات التي يمنع خروجها خارج بيئة العمل المحلية، علاوة على تجنب النفقات العالية لنقل البيانات الضخمة.
وفي هذا السياق، تبرز حوسبة الحافة (Edge Computing) كحل تكنولوجي محوري لمعالجة المعلومات عند المصدر مباشرة؛ بما يتيح تقليل زمن الاستجابة، وتعزيز المناعة الرقمية وترقية معايير الأمن السيبراني، وخفض التكاليف الإجمالية للتشغيل، ويستوجب هذا التوجه إرساء قواعد عمل مشتركة وتنسيقا وثيقا ومستمرا بين الفرق العملياتية والمكلفين بالرقمنة وأمن المعلومات لخدمة الأهداف التجارية والاقتصادية للمؤسسة.
وسجّل ملاحظون أن تقدم عمر الحظيرة الصناعية في أوروبا يشكل فرصة اقتصادية واعدة قائمة بذاتها؛ حيث يرتكز النجاح في عصر “الصناعة 4.0” على القدرة العملية على استغلال الأصول الموجودة ودمج الذكاء في خطوط الإنتاج المباشرة، وتحويل البيانات الخام إلى حلول قابلة للتطبيق العملي على مستوى كافة سلاسل القيمة داخل المجمع الصناعي الحديث.






