بلعيد: مواكبة الذّكاء الاصطناعي وبناء محتوى رقمي عربي قائم على البيانات
بن يشو: بناء فضاء تفاعلي للعربية شرط أساسي لمواكبة التّحوّلات الرّقمية
عبيدي: منظومة ترجمية متكاملة تضمن تثمين الكفاءات وحماية الذّاكرة
عرض المجلس الأعلى للغة العربية جهوده في تمكين اللغة العربية، ومواكبة التحولات الرقمية وتعزيز حضورها الترجمي، خلال ندوة علمية بعنوان “المجلس الأعلى للغة العربية.. جهود المجلس في تمكين اللغة العربية ورقمنتها وتعزيز حضورها الترجمي”، نشّطها الدكتور صالح بلعيد، ضمن فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، بمشاركة عضوي المجلس الأستاذ الدكتور جيلالي بن يشو والأستاذ الدكتور نوار عبيدي، فيما أدارت الجلسة الأستاذة آمال حمزاوي.
شكل اللّقاء فرصة لاستعراض المشاريع والمبادرات التي يعمل المجلس على تجسيدها في خدمة اللغة العربية، ومناقشة التحديات المرتبطة بحضورها في البيئة الرقمية، إلى جانب الوقوف عند واقع الترجمة في الجزائر والجهود الرامية إلى تطوير الممارسة الترجمية وتثمين الكفاءات الوطنية.
وفي كلمته الافتتاحية، أكّد الدكتور صالح بلعيد أن المجلس الأعلى للغة العربية، باعتباره مؤسسة تابعة لرئاسة الجمهورية، يضطلع بثلاث مهام أساسية تتمثل في العمل على ازدهار اللغة العربية، وتعميم استعمالها في مجالات التقانة والذكاء الاصطناعي، فضلا عن تعزيز الترجمة من اللغة العربية وإليها، مشيرا إلى أن هذه المحاور تشكل مرتكزات عمل المجلس في مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية.
وأوضح أن المجلس يعمل بالتنسيق مع مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات وفعاليات المجتمع المدني، مستعرضا حصيلة نشاطه خلال السداسي الأول من السنة الجارية، والتي تجاوزت عشرين عملا، على أن يتواصل تنفيذ المشاريع خلال السداسي الثاني، إلى جانب التحضير للطبعة الثانية لجائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة العربية والإعلان عن طبعتها الثالثة.
وفي سياق حديثه عن الرقمنة، أبرز بلعيد أهمية الانتقال من مجرد رقمنة الوثائق إلى بناء محتوى رقمي عربي مؤسس على البيانات، بما يسمح بتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي على التعرف على اللغة العربية ومعالجتها، مشيرا إلى إنجاز مركز بيانات يهتم بالمحتوى الرقمي العربي والمخطوط الجزائري ومنجزات المجلس ومشاريعه.
كما توقّف عند المكتبة الرقمية للمجلس، التي تتيح للباحثين والقراء الاطلاع على مختلف الإصدارات والمؤلفات والندوات واللقاءات، إلى جانب الاستفادة من تقنيات الاستجابة السريعة، مؤكّدا أن العمل متواصل لتوسيع المشاريع وتطويرها وفق رؤية تمتد على المدى القصير والمتوسط والطويل.
العربية في الفضاء الرّقمي.. تحديات
من جهته، تناول الأستاذ الدكتور جيلالي بن يشو، في مداخلته الموسومة بـ “اللغة العربية والتحول التقني نحو بيئة رقمية تفاعلية لتعزيز الهوية اللغوية”، التحديات التي تواجه حضور العربية في الفضاء الرقمي، منطلقا من المفارقة القائمة بين العدد الكبير للناطقين بها، الذي يناهز 550 مليون نسمة، ومحدودية مساهمتها في المحتوى الرقمي العالمي.
واستعرض المتدخل التحولات التي فرضتها البيئة الرقمية على استعمال اللغة وإنتاج المعرفة، متوقفا عند دور المنصات التعليمية والمعاجم الإلكترونية والمكتبات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والمعزز في بناء فضاء تفاعلي يخدم اللغة العربية ويعزز انتشارها.
كما تطرق إلى الصعوبات التي تواجه المعالجة الآلية للعربية، لاسيما خصوصية بنيتها الصرفية والنحوية، وغياب التشكيل وتعدد دلالات المفردات بحسب السياقات، فضلا عن تحديات الكتابة من اليمين إلى اليسار، معتبرا أن تطوير الأدوات التقنية وإثراء قواعد البيانات والمحتوى العربي يمثلان مدخلا أساسيا لتجاوز هذه الإشكالات.
وفي استعراضه للتجربة الجزائرية، نوّه بن يشو بمشاريع المجلس الأعلى للغة العربية، خاصة المكتبة الرقمية ومعلمة المخطوطات، لما تتيحه من إمكانات لحفظ الرصيد المعرفي والتراثي وإتاحته للباحثين والقراء، إلى جانب ربط المستخدمين بالمكتبات الرقمية العالمية، مؤكدا أن رقمنة التراث لا تقتصر على حفظ الذاكرة، وإنما تسهم أيضا في صون الهوية اللغوية وتعزيز حضور العربية في الفضاء التكنولوجي.
التّرجمة.. المسار الجزائري
من جانبه، استعرض الأستاذ الدكتور نوار عبيدي، رئيس لجنة الترجمة بالمجلس، في مداخلته الموسومة بـ “الجهود الترجمية للمجلس الأعلى للغة العربية.. الواقع والأهداف”، مسار الترجمة في الجزائر وتطور وظائفها، منتقلا من دورها الإداري إلى مساهمتها في بناء الدولة الوطنية وتوطين المعارف الحديثة، قبل أن يتوقف عند أبرز التحديات التي تواجه الممارسة الترجمية، وفي مقدمتها الفجوة بين التكوين الجامعي ومتطلبات سوق العمل، ومخاطر الترجمة الحرفية والاعتماد غير النقدي على الترجمة الآلية.
وأبرز المتحدث أن جهود المجلس في هذا المجال تتجاوز الترجمة بوصفها عملية تقنية لنقل النصوص من لغة إلى أخرى، لتشمل بناء منظومة متكاملة تجمع بين المعجم والمصطلح والبحث العلمي والنشر وتشجيع الإنتاج الترجمي، إلى جانب رصد الحركة الترجمية في الجزائر والاهتمام بالتحولات التي يشهدها هذا المجال.
وفي هذا الإطار، تطرّق نوار عبيدي إلى إنجاز المعاجم المتخصصة في عدد من الحقول العلمية والتقنية، وإصدار مجلة “معالم” المحكمة، فضلا عن مشروع إنشاء “البطاقية الوطنية للمترجمين الجزائريين”، بالتعاون مع مركز تنمية التكنولوجيات المتقدمة، بهدف تنظيم المهنة وتثمين الكفاءات وحماية الذاكرة الترجمية الوطنية.
وشدّد عبيدي على أن بناء صناعة ترجمة وطنية يستدعي توفير تكوين متخصص، وتثمين قدرات المترجمين المحترفين، وتطوير المؤسسات الناشرة وقواعد البيانات والبنوك المصطلحية، فضلا عن حماية الحقوق الفكرية، ووضع آليات لتمويل المشاريع وتقييم جودة الأعمال المترجمة.





