دستــور الصحـــراء الغربيــة حاضــــر في المنظومـــة العربيـــة.. عنـوان سيـــادة
تجليـــات الديــن والهويـــــة في النصـوص الدستوريـــــة العربيــة بـين يـدي القــــارئ
تزيّنت رفوف صالون الجزائر الدولي للكتاب، بإصدار جديد للأستاذ الباحثستاذأ محمد سعيد بوسعدية، عن مؤسسة “أوكسجين” للنشر، وسمه بعنوان “المقدس في الدساتير العربية”، وهو الكتاب الذي لقي تفاعلا منقطع النظير، وإقبالا استثنائيا من طرف النخب الأكاديمية والباحثين والمهتمين بالشأن القانوني والسياسي.
ويؤكد الشغف المعرفي الذي أحدثه كتاب بوسعدية، الأهمية البالغة التي تكتسيها مقاربة إشكالية حضور “المقدس” داخل النصوص الدستورية، ومناقشة تقاطعات التشريع الوضعي مع الثوابت الدينية ومسائل الهوية في العالم العربي، حيث تطرح هذه الإشكالية نقاشا أكاديميا وقانونيا واسعا، يتناول طبيعة العلاقة المتشابكة بين التشريعات الوضعية، والثوابت الدينية، ومسائل الهوية، ويسلّط الضوء على التقاطعات المعقّدة بين السياقات التاريخية والتركيبة الاجتماعية والخيارات السياسية التي صاغت هذه الوثائق.
مسح منهجي شامل للمدونة الدستورية العربية
استندت قراءة بوسعدية إلى رؤية نقدية زاوجت بين المناهج الوصفية، والتحليلية، والاستقرائية، والتاريخية، والمقارنة، ومنحت الدراسة مساحة جغرافية وسياسية واسعة تشمل كافة الدول العربية، عبر تتبع النصوص الدستورية وفق ترتيب أبجدي دقيق، وانطلق هذا المسح من دستور الجزائر، ليشمل دولا كالبحرين، ومصر، والعراق، وفلسطين، وسوريا، واليمن، وموريتانيا، والسعودية وغير من الدول، ما وفّر للباحث أرضية صلبة لبيان مساحات التقاطع والاختلاف بين الدساتير العربية في إقرار المسائل المتصلة بالهوية والدين.
وتوسّعت الدراسة لتشمل نماذج من دساتير دول إسلامية مثل إيران، وباكستان، وأفغانستان، وإندونيسيا، وماليزيا، وكذا دساتير دول من آسيا، وإفريقيا، والأمريكيتين، وأوقيانوسيا، بهدف تبيان خصوصية الظاهرة الدستورية العربية في التعامل مع المسائل الدينية مقارنة بالتجارب العالمية المتنوّعة، وإبراز مسايرة الدول العربية للنهج العالمي في تقديس الرموز الوطنية كالعلم والنشيد، وإحاطة هذه الرموز بحماية قانونية صارمة.
حضــــور سيـــادي بــــارز لدستور الصحراء الغربية
وتفرد دراسة الباحث محمد سعيد بوسعدية حيزا مهمّا لـ«دستور الصحراء الغربية”، المدرج ضمن المنظومة الدستورية العربية قيد البحث، ما سمح بالوقوف على تفاصيل الظاهرة الدينية والهوياتية داخل الوثيقة الدستورية الصحراوية، واستخراج الأحكام المقدسة التي تنفرد بها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، قصد العمل على استنباط المواضيع المشتركة التي تتوافق عليها الصحراء الغربية مع باقي الأنظمة العربية، باعتبارها من صميم اختصاصاتها السيادية ومسؤولياتها التاريخية والسياسية المؤكدة، وتجسد الوثيقة الدستورية الصحراوية، وفق هذه المقاربة، استمرارية للقيم الدينية والثقافية الأصيلة، وتؤكد تمسك الشعب الصحراوي بهويته في إطار مسار البناء المؤسساتي للدولة.
التأصيـــــل اللغــــوي للمقـــــدس ومســـار التحـــــوّل المعـــــرفي
يخصّص الكاتب محمد سعيد بوسعدية فصلا تمهيديا لتقديم تعريف دقيق للفظة “المقدس” في سياقاتها اللغوية والثقافية، متتبعا حضورها في القرآن الكريم، والشعر العربي القديم، واللغات الحديثة كالفرنسية والإنكليزية، ويغوص البحث في حفر معرفي أركيولوجي داخل الثقافة العربية الإسلامية، لاستجلاء مفاهيم التضاد مثل الدنيوي والمقدس، والحلال والمدنس، وتواكب هذه القراءة مسار تحوّل مصطلح “الشريعة الإسلامية” من طابعه التقديسي المتعالي إلى صبغته الوضعية المتصلة بالقرار الدستوري وصياغة القانون، ما يسمح بفهم أعمق لآليات إدراج هذه القواعد في المواثيق الوطنية وتكييفها مع مقتضيات الدولة الحديثة، وتبرز أهمية هذا التأصيل في كشف الجذور التاريخية للمفاهيم المعاصرة، وتأكيد امتدادها العميق في الوجدان الثقافي للمجتمعات العربية.
تجليـــات المقــــــدس
تحتوي كافة الدساتير العربية، على اختلاف مشاربها وتوجهاتها، على مواد دينية صريحة تؤسس للمسائل المقدسة، متأثرة بالخلفيات الدينية، والإثنية، والتركيبة البشرية، وطبيعة أنظمة الحكم، وتتجلى المواضيع الأساسية لهذه النزعة في إقرار التسمية الإسلامية الرسمية للدولة، وتأكيد انتمائها للعالم الإسلامي، واعتبار الإسلام دين الدولة بصیغ متعددة، وتتوسع هذه التجليات لتشمل اعتماد مبادئ الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي كمصدر للتشريع، وترسيم اللغة العربية، وإقرار القضاء الشرعي، واحترام الرسالات السماوية.
وتذهب الوثائق الدستورية العربية نحو وضع آليات عملية صارمة تحمي هذه الثوابت، من خلال دسترة أحكام الميراث، واشتراط الديانة الإسلامية للترشح لمنصب الحاكم الأول في الدولة، وتأدية القسم أو اليمين الدستورية أثناء التنصيب، وتنسحب هذه الحماية الدستورية على دسترة المجالس الإسلامية العليا، ومنع السلوكيات المخالفة للأخلاق الإسلامية، وحماية التراث الإسلامي وتمجيده، وتتوّج هذه المنظومة بدسترة الأملاك الوقفية والزكاة والصيرفة الإسلامية، مع إقرار مبدأ الحصانة التامة لدين الدولة والثوابت الوطنية، وتحصينها إزاء التعديلات الدستورية وتأمينها التام والمطلق.
صناعـــــة القــــــرار الدستــــــوري
تكشف مخرجات كتاب بوسعدية عن نزعة دستورية عامة لدى الدول العربية نحو تأطير “المقدس” وضبط مجالات اشتغاله، بغية تحويله إلى مورد تعبئة استراتيجي في يد الفاعلين السياسيين والدينيين، ويبرز هذا التوجه من خلال التفاعل المستمر والتنافس بين ما يصطلح عليه بـ«الإسلام الرسمي” بمؤسساته المهيكلة، وتيارات “الإسلام السياسي الحركي”، والتدين الشعبي، وتخضع المسائل المقدسة لتحليل وفحص دقيقين وفق المنظومة الدستورية الخاصة بكل دولة، لمعرفة مساحة تأثير المؤسسة الدينية التقليدية، والأحزاب، والجمعيات في اختيار وتوجيه المواد الدينية المقدسة بما يتلاءم مع خصوصيات كل مجتمع، والرهانات السياسية القائمة، ويشكل هذا التفاعل جوهر العملية الدستورية التي تحول النص المكتوب إلى ساحة لتمثيل موازين القوى وإدارة التوازنات الاجتماعية والثقافية.
للإشارة، فإن كتاب الأستاذ الباحث محمد سعيد بوسعدية، يمثل إضافة نوعية وقيمة للمكتبة القانونية والسياسية العربية، ويمنح الباحثين مفاتيح أساسية لاستيعاب طبيعة النظم السياسية، علما أن الباحث بوسعدية من الكتاب المرموقين في المشهد الثقافي الجزائري وعلى مستوى الساحة العربية، ولديه كتابات فكرية أصيلة، وهو ممن يشتغلون على المتن الأركوني، ويواضبون على تفكيك أعقد القضايا، وتقديم قراءات رصينة تزاوج بين الدقة العلمية والعمق الفلسفي في مقاربة قضايا الدولة والمجتمع والمقدس.





