أجمع الأكاديميّون والكتّاب ممّن يشاركون أو يزورون صالون الجزائر الدولي للكتاب، على أنّ طبعة هذا العام شكّلت نقلة نوعية على مستوى التنظيم، سواء من حيث توسيع قصر المعارض بالصنوبر البحري، وتسهيل حركة الزوار، أو من حيث التحكّم في تدفق الجمهور الغفير الذي توافد منذ اليوم الأول على هذا المحفل الثقافي الكبير.
في السياق، اعتبر الروائي عبد الله كروم، أنّ هذه الطبعة جاءت بتنظيم مختلف، لاسيما بعد افتتاح جناح فلسطين الجديد الذي وفّر مساحة أوسع لاستقبال دور النشر، وساهم في تسهيل حركة الزوار والقرّاء بين الأجنحة، بما يمنح المشاركين والجمهور ظروفا أفضل للتنقل والاطلاع على الإصدارات المعروضة.
ولم يقتصر التطور -يقول كروم- على الجانب التنظيمي، وإنما شمل البرنامج الثقافي الذي وصفه بـ«الغني”، بالنظر إلى عدد الضيوف والفاعلين والأسماء المشاركة، فضلا عن بروز أصوات جديدة في مجال الكتابة والنشر، واعتبر أنّ هذا الحضور المتنوّع يعكس اتّساع الصالون وتطوّره من طبعة إلى أخرى، سواء من حيث المشاركة الثقافية أو طبيعة التجارب الأدبية التي تجد فضاء للتعريف بها والتواصل مع القراء.
وفي مقابل هذه المؤشّرات الإيجابية، سجّل كروم تأثير العطلة القصيرة في وتيرة إقبال الزوار، موضّحا أنّ أيام العطلة شهدت حضورا أكبر مقارنة ببقية أيام الصالون، وهو ما يعكس ارتباط حركة الجمهور بالظروف الزمنية المتاحة للزيارة، كما لفت إلى استمرار ارتفاع أسعار بعض الكتب، في حين حافظت إصدارات أخرى على أسعارها السابقة، بما يبرز تفاوتا في تكلفة اقتناء العناوين المعروضة، توقّف عند مبادرة لفتت انتباهه لدى بعض دور النشر المصرية، تمثلت في تقديم مجموعة من الكتب كهدايا عند اقتناء نسخة واحدة، معتبرا أنها خطوة تشجيعية تتيح للقارئ فرصة الحصول على عناوين إضافية، وتدفعه إلى اكتشاف إصدارات لم تكن ضمن اختياراته الأولى.
وثمّن كروم برمجة لقاءات للاحتفاء بالرّموز والأعلام الجزائرية، مستشهدا بالاحتفاء بالأستاذ عبد المالك مرتاض، إلى جانب استضافة تجارب أدبية جزائرية مكرّسة، بينها تجربة الشاعرة والروائية ربيعة جلطي، وأكّد أهمية هذه اللقاءات في التعريف بالمسارات الأدبية والفكرية التي راكمت تجربة في المشهد الثقافي الوطني، ونقلها إلى الأجيال الناشئة والشباب، بما يسمح لهم بالاستفادة منها والاطّلاع على مساراتها، ويعزّز استمرارية العطاء في الأدب الجزائري.
احتفالات نوفمبر.. مفخرة
من جهته، سجّل الروائي الصديق حاج أحمد الزيواني ارتياحه للتنظيم الذي ميّز هذه الطبعة، مثمّنا ما أتاحه افتتاح جناح فلسطين من فضاءات أوسع للكتّاب والقرّاء والزوّار، وما وفّر من ظروف لاستقبال دور النشر وتيسير حركة الجمهور داخل الصالون، كما نوّه بقاعات النشاطات الثقافية، مشيرا إلى دورها في استقبال الجمهور واحتضان اللقاءات والندوات، بما يعزّز حضور الجانب الثقافي إلى جانب فضاء عرض الكتب.
وأوضح الزيواني أنّ تزامن الصالون مع احتفالات نوفمبر أضفى على هذه الطبعة بعدا تاريخيا، من خلال النشاطات المرتبطة بالذاكرة الوطنية واستحضار ذكرى اندلاع الثورة التحريرية، إلى جانب الفعاليات المعتادة في مجالات الشعر والرواية والأدب. واعتبر أنّ الجمع بين الاحتفاء بالذاكرة الوطنية والبرامج الأدبية والثقافية يمنح التظاهرة تنوّعا في مضامينها، ويتيح للجمهور متابعة أنشطة تتّصل بالتاريخ الوطني والإبداع الأدبي في آن واحد، كما نوّه بتنوّع الإصدارات المعروضة وتغطيتها لمختلف الحقول المعرفية، مسجّلا في المقابل وجود فارق في الأسعار بين دور النشر الوطنية والأجنبية. وفي هذا الصدد، اعتبر أنّ الكتب الجزائرية أقل تكلفة، حتى مع توفّر جودة جيدة في الطباعة والنشر، وهي ملاحظة تبرز -بحسب انطباعه- قدرة الإصدارات الوطنية على تقديم منتوج كتابي بمستوى جيّد وتكلفة أقل مقارنة بعدد من الإصدارات الأجنبية.
وتوقّف الزيواني عند الإقبال اللافت للشباب والمراهقين على الكتب المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهي ظاهرة ربطها بتجدّد اهتمامات القرّاء والموضوعات التي تستقطبهم في المرحلة الراهنة، غير أنه اعتبر أنّ هذه الموجة قد تكون عابرة، داعيا إلى عدم التعامل معها باعتبارها تهديدا لمستقبل الكتاب الورقي، واستحضر -في السياق- المخاوف التي رافقت ظهور الكتاب الرّقمي قبل سنوات، حين اعتقد البعض أنه سيزيح الكتاب الورقي ويحل محله، غير أنّ هذا الأخير حافظ على مكانته وصمد أمام التحوّلات التكنولوجية، وهو ما يتوقّعه بشأن موجة الاهتمام الحالية بالكتب المولّدة بالذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا الموقف تمسّكه باستمرار حضور الكتاب الورقي، رغم تغير الوسائط وتبدل اهتمامات الأجيال الجديدة.
تطوّر متصاعد..
بدوره، سجّل الكاتب عبد القادر جمعة أنّ الصالون الدولي للكتاب بالجزائر يشهد تطورا متصاعدا، سواء من حيث عدد المشاركين أو تنوّعهم، مشيرا إلى الزيادة المسجّلة في أعداد الناشرين والدول المشاركة والمؤلّفين والمبدعين، فضلا عن الحضور الجماهيري، واعتبر أنّ هذه المؤشّرات تعكس حركية متنامية لا تقتصر على المشاركة المهنية والثقافية، وإنما تمتد إلى اهتمام الجمهور بالكتاب، بما يقدّم إشارات إيجابية بشأن واقع القراءة والمقروئية في الجزائر.
وتوقّف جمعة عند المكانة المتجدّدة التي يحتلها الصالون ضمن المواعيد الثقافية الوطنية، بالنظر إلى اتّساع المشاركة وتعدّد التجارب الحاضرة فيه، وما يتيح من فرص للقاء بين الناشرين والمؤلّفين والمبدعين والقرّاء. ويرى أنّ تزايد أعداد المشاركين والحضور الجماهيري يعكس تطورا في الحركية الثقافية المرتبطة بالكتاب، ويمنح التظاهرة أهمية متنامية في المشهد الثقافي الجزائري.وعبّر جمعة عن سعادته بخوض تجربته الأولى في الصالون بصفته مؤلّفا، بعدما اعتاد زيارته في السابق بصفته قارئا، وتتزامن مشاركته الحالية مع صدور أول مؤلّف له، رغم أنّ بعض نصوص مجموعته تعود إلى سنوات سابقة، من بينها كتابات بدأ الاشتغال عليها منذ سنة 2016، وأخرى أقدم من ذلك، غير أن ظروف النشر لم تسمح بإصدارها إلا خلال العام الجاري.وأوضح محدثنا أنّ الانتقال من موقع الزائر إلى موقع الكاتب المشارك في هذه التظاهرة منحه إحساسا مختلفا، لاسيما مع الإقبال الذي عرفه مؤلّفه من الأصدقاء والقرّاء، بمن فيهم أشخاص لم تكن تربطه بهم معرفة شخصية، واعتبر أنّ هذا التفاعل أضفى على تجربته قيمة خاصة، بالنظر إلى ما أتاحه من تواصل مباشر مع القرّاء، وفتح أمامه أفقا جديدا للتعريف بكتاباته ومشاركة تجربته معهم.






