ماذا يراد من ورائها؟ ولماذا تبذل المواهب الفنية على التعليم؟ ولماذا تنفق قوى الأمة بسخاء وعلى طريقة منظّمة لكي يوجد التعليم فجوة بين الأمة وبين ما تعتز به وتتبناه من معتقدات وأغراض وتراث حضاري وعلمي وتصورات؟ وسواء أكان كل ذلك مما ينبغي الاعتزاز به أم لا؟ لكن الشيء الذي تحبه والمعتقدات التي تعتز بها والتصورات والقيم والمثل.
وينقل هذا التراث إلى الأجيال القادمة والشيء الجديد، ذلك التراث الذي أفرغ عليه ملفا خير قواهم ومواهبهم وبذلوا مدة طويلة من وقتهم. وربما قاتلت تلك الأمة في سبيله وحاربت وجاهدت وضحّت بعزّها وشرفها ومجدها التليد. ومن الفضول أن نتعرّض بهذه المناسبة لماذا كانت القيم التي حاربت الأمة من أجلها قيما صالحة أم لا؟
لكن مسؤولية التعليم أن ينقل هذا التراث إلى الأجيال المتلاحقة، ولا يقتصر على النقل والتصدير فحسب بل يعمّقه في القلوب والأذهان، ويجعل القلوب والعقول تسيغه وتذوقه، ولا يعود نابيا لديها أو أجنبيا عندها بل يعود مألوفا لها ومحبوبا عندها ويصير لها.
أمة الجزائر أمة ممتازة في خصائصها ومزاياها وعناصرها وتركيبها، فتعريفها جامع جدا، وأمر هذه الأمة عقائدها وقيمها ليست كما يعتقد الكثير، بل هي نابغة من الوحي الإلهي والكلام والنبوة والرسالة والعلم اليقين، ولا تزول ولا تتغيّر فهنالك تتضاعف المسؤولية وتتضخم. لا يتفتّح وعيه ولا يتّسع أفقه ولا يتقدم العلم، فحاولت أن تقف في وجه العلم لأنّها ظنته عدوا لها لدودا، وخصما محاربا حانقا، ولكنها اضطرت أخيرا أن تضع السلاح أمام هذا العلم وسيلة المجازفة وتياره العنيف لأنّه حاجة إنسانية ومقتضاها الطبيعي، وعاطفة الإنسان الداخلية ونعمة الله الغالبة وضرورة العالم البشري. جعله الله لكي يحضر وينمو ويورق ويثمر، لا لكي يذوب ويذبل، وهل تموت الحقائق؟ على كل فإنّ العلم كسب المعركة وذاقت الكنيسة هزيمة وعارا وشنارا منقطع النظير أمام العلم، وتطلع الانسان إليه وطلبه الجامح له.
الأمة التي يكلّف بهدايتها وتربيتها وتعليمها هي أمة ليست ولوعة بالعلم فحسب، بل ستكون معلمة العالم ومولعة بنشره وتصعيده وترقيته، والعهد الذي يقوم فيه بوظيفة الهداية والتبليغ والتربية والتعليم، إنه ليس عهد الأمة والوحشية والجهل وعهد الظلمة والهدم والتخريب، وإنّما هو عهد العلم والعقل والتفكير وعهد النظر والحكمة، وعهد البناء والتعمير، عهد حب الإنسانية وعهد الرقى والتقدم.
كانت التجربة الفريدة الطريفة لوضع التغيير في تاريخ الديانات وتاريخ العلم، إنّ الوحي الأول الذي نزل على النبي الأمي بين الأمة الأمية كانت بدايته كلمة {إقرأ باسم ربّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق}، حيث أنّ ذكر العلم مقرون باسم الرب لكي يعلّم البشر ضرورة بداية العلم والتعليم والقراءة باسم الرب، الذي وهب هذه النعمة الغالية ومنّ بها على عباده، وهو الذي خلقه فلا يتقدم تقدما متّزنا إلا تحت توجيهه وهدايته.
إنّ تكالب العدو على العروبة وعلى قيمها وتعاليمها ومبادئها، لا زال يتّهمها بالتحجر والتخلف والعنف وعدم التحضر، ماذا يريدون؟ لقد ألحقوا بنا دمارا وخرّبوا قرانا وقصفوها وعاثوا الفساد في الأرض، قتلوا ونهبوا وانتهكوا، زرعوا سمومهم ومصمّمون على إذكاء الفتن بحجج كثيرة ومختلفة.
أين أنتم أيّها العلماء والمفكرون والإعلاميون والسياسيون من هذه الوضعية التي تكاد تدمّر قيمنا بأفكار هجينة؟ أنتم ضمير الأمة، أفيقوا فالمنعطفات يتخلّلها الوحل والطين كأنّها سفينة تمخر عباب البحر في زوبعة هوجاء،
حيث غلب علينا الإغماء من كثرة الوهن والدوران. لا تكونوا متفرّجين، لا وجود لأمة إلاّ بعلمائها ومفكّريها.
فهو يتفوّق بالعلم التكنولوجي والعسكري، وفرض هيمنته على الشعوب الضعيفة، كل هذا زاد في المسخ والفسخ والانحلال الخلقي، خاصة عندما عمّت الفضائيات والأنترنيت، فالتعليم الذي كان يحافظ على العربية والدين والأخلاق فسدت علاقاته بين الأم والأب والأسرة والمدرسة والأجداد، وغابت الأخوة والتعاون على البرّ والتقوى، فقدت المدرسة الدور المنوط بها، ولم تقدم ما عليها في مجال التربية والاحترام.
المدرسة وعمقها أصبح باعا طويلا، لم يعد هناك العزم والحزم على خوض ساحة التعليم حتى في أي سكن كان، فاختلّت المفاهيم في مختلف الميادين، المساجد والمدارس والكتاتيب، وحتى في الدكاكين والحمامات وغيرها، لا تراعي مدارك وعقول الكبار والصغار، وكل حسب طاقته وميوله.
كم أتمنى أن نكون كالخريف إيداعا، نضيء الكون بجمال سلوكنا، نترفّع عن القبائح، نتألّق بأخلاقنا، نصنع، نبدع، نملاأالدنيا تطورا، نحب بعضنا، نرسم مستقبلنا بالأمر والعمل الحسن حولك في الوهاد والحقول والرٌبا،
شهر يوزع في الطبيعة فنه شجرا يصفّق أو سنا منفجرا،
حتى نصير نمجّد العقل والعلم ونترك التبعية. بقي ضعفنا وتخلّفنا وعجزنا عن إنتاج ما نأكل، بقينا نفكّر في ملء بطوننا.
إنّ الحديث بفظاظة وعدوانية، والتصرف مع الطلبة بعنف يؤدي بهؤلاء إلى أن يتصرّفوا ويتكلّموا بالطريقة التي نسمعها في الشوارع بشكل مفرط، فلابد للطلبة من الشعور بالأمان في المنزل، الأمان من الفشل في المدرسة، والأمر الآخر هو الحب للأبناء والعدل والأخوّة والتسامح.
شتّـــــــان بــين الأمــــس واليـــوم
يختلف جيل اليوم عن جيل الأمس، لأنّ الظروف تغيّرت كثيرا في مختلف الاتجاهات، صعبت المعيشة وظهر شبح البطالة وقلّت فرص العمل، أصبح العالم شبه قرية صغيرة، انحطّت القيم العربية الإسلامية، وتراجع عمل الآباء والأمهات مع الأبناء، والتعامل المفيد والموجّه بأساليب تربوية.
الوضع حاليا يتّسم بالغموض، فالعمل مع الأبناء مضطرب وغير مستقر، وذلك في ضوء التغيرات البنائية التي حدثت في القرن الواحد والعشرين، فقد زادت الضغوط التي يتعرض لها الأبناء.
إنّنا نرى اليوم معظم الشباب يرتدون كل يوم ثوبا جديدا، كل يوم بشخصية مختلفة، لا يستقرّون على حال.
إنّ السبب الرئيس لمشاكل الشباب يرجع إلى عوامل خارجية عن المنزل.
أكّد أحد الآباء أنّه بذل قصارى جهده من أجل راحة الأبناء، وكذلك الأم، ولكن إذا نظرنا إلى الحقيقة فإنّنا نجد عوامل متواصلة ومتشابكة يعاني منها الأبناء، وعندما يزداد الضغط على الأبناء والسيطرة يتم العصيان والتمرد والخروج إلى حياة فاسدة، يكيّف الشاب نفسه حسبما يراه هو دون ضوابط أو نظام.
فلابد من التوجيه والتوعية كي يكون الأبناء قادرين على التكيف الصحيح مع المجتمع الذي يعيشون فيه.
السؤال المطروح: لماذا هذا الاختلاف بين أبناء اليوم وأبناء الأمس؟
فأبناء الأمس كانت تحوطهم العناية والتوجيه، والحنان والعطف.
كانت انحرافاتهم محدودة، وكان الجو العائلي يطوف عليه الحنان والتعاون، فالأسرة تدخر كل ما يحتاجه الأبناء، تحضى وتتزين بها المائدة، وتعتمد على طريقة العائلة المتماسكة بالعادات والتقاليد والقيم، وتتمسك بأولادها، فالأم تحنّ عليهم وترعاهم كالعصافير في العش، وهذا تماما ما يختلف فيه الجو الذي عاش فيه أبناء الأمس، كلّه أمان واطمئنان واستقرار.
فالذي يدرس في المدارس يتأكّد من أنه سيجد عملا محترما عند تخرّجه، فيتنافس المتنافسون في اختيار التخصص الذي يريده ويحبه، فالحياة بالأمس كانت سهلة هادئة، لا حوادث مرور ولا تزاحم ولا ضوضاء تثير الأعصاب.
أما اليوم فالكل تغير، حتى ظروف المعيشة أصبحت الحياة قاسية. أصبح الأبناء ينظرون للحياة نظرة متشائمة، ولابد أن نضع في واقعنا المعاش الطرق السليمة لأن لكل زمان خلقه التي تتماشى معه، حتى التجارب التي مررنا بها لا يمكن أن تطبّق حاليا معهم لأن التلاؤم مع الوقت الحاضر وظروفه تختلف.
صادفتُ شابا في طريقي إلى المسجد يلام من قبل الجالسين معه، وقفتُ أتأمّل الأمر من قبل البعض، تدخّلتُ وقلتُ: ينبغي منّا جميعا أن نفهم المرحلة والوضع الحالي ونفسية هؤلاء، والعوامل التي تؤثر فيهم.
إذا توصّلنا إلى حقيقة الأمر كان علينا من السهل أن نوجّه الأبناء حسب حقيقة معيشتهم، وكيف نفهمهم ونتعامل معهم بكل المراحل التي يمرّون بها.
ع. حمداوي






