نجحت المسيرات السلمية، الرافضة للعهدة الخامسة، في منع انهيار الدولة وتكريس الإرادة الشعبية وفرض قواعد جديدة لإدارة العملية السياسية، بعيدا عن الحكم الفردي وسطوة لوبيات المال.
بعد مرور سنتين، تقف «الشعب» عند ما حقّقته سلمية الحراك والحل الدستوري في مسار التغيير الشامل.
أنقذ خروج الشعب الجزائري، في مسيرات حاشدة ذات 22 فيفري 2019، الجزائر من «مأساة». وأنقذ المسار الدستوري من أزمة شغور منصب رئيس الجمهورية، البلاد من دهاليز المرحلة الانتقالية.
وبين دور الإرادة الشعبية في إحباط مزيد من الانهيار المؤسساتي والمعنوي للدولة، وحتمية العودة إلى الشرعية الدستورية للحكم، كان لابد من قطع طريق الانتخابات بقواعد تنظيم جديدة، بهدف تحقيق مطالب الشعب في التغيير الشامل والجذري للنظام.
وبالرغم من القراءات التي اعتبرت ما يجري في الجزائر «موجة ثانية» لما يسمى بالربيع العربي واحتمال أن يؤول إلى اصطدام عنيف، استطاع الشعب الجزائري تسجيل «حالة جزائرية» منفردة عمّا عاشه العالم العربي منذ 2011، ورسم صورة حضارية أبهرت العالم، مدججا برصيد نضالي وفير ويقظة عالية مكنته من تفادي تكرار سيناريو تسعينيات القرن الماضي.
حِرصُ الشعب على سلمية المسيرات، تجلّى في صور جميلة جدا بين المشاركين وعناصر الشرطة التي رافقتهم، فيما تولّى الجيش الوطني الشعبي تأمين المظاهرات بشكل قبلي وبعدي، وانعكس ذلك في شعارات منسجمة وطموحات بناء دولة قوية متأصلة في بيان أول نوفمبر.
حالة التلاحم بين الشعب وجيشه، حققت الهدف الاستراتيجي الأول، والمتمثل في الحفاظ على السلمية وتفادي أي انزلاق نحو العنف أو إراقة الدماء. بينما تمثل الهدف الاستراتيجي الثاني، في كيفية بناء جزائر ما بعد الحراك وتلبية المطالب المشروعة التي صدح بها الملايين من الجزائريين وخاصة الشباب منهم.
وبقدر ما كانت الاستماتة في الدفاع عن المخرج الدستوري مهمة للغاية، من أجل تفادي الانزلاق نحو المراحل الانتقالية غير المضمونة العواقب، بقدر ما حمل على عاتقه (هذا الحل) مسؤولية بناء جزائر مغايرة لتلك التي دفعت بالجزائريين إلى الشارع، بعد شعور مرير بأن من ينفرد بالسلطة ويحكم القبضة على ثروات الأمة يمعن في «إهانتهم»، بمسرحيات سياسية مدمرة.
إعادة السلطة للشعب
كان على الرئيس الذي ستفرزه انتخابات 12 ديسمبر 2019، أن يعيد السلطة للشعب وأن يصون ثروات البلد، بمواصلة الحرب على الفساد المالي والإداري، الذي عصف بالاقتصاد الوطني في عز أزمة انهيار مداخيل المحروقات منذ النصف الثاني من سنة 2014.
وبالعودة إلى الوراء، يمكن القول إن أول نتائج الحراك، إبعاد الإدارة العمومية (وزارة الداخلية) عن العملية الانتخابية، واستحدثت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، في 15 سبتمبر 2019، وتولت الإشراف الشامل على الانتخابات الرئاسية، ولم تسجل خلالها أية شبهة للتلاعب بأصوات الناخبين.
ولأول مرة في تاريخ الانتخابات في الجزائر، تبادل المتسابقون للرئاسيات التهاني، واعترفوا بالنتائج وحضروا جميعهم حفل تنصيب رئيس الجمهورية في 19 ديسمبر من السنة ذاتها، وقال الرئيس الفائز إنه «سيقلص صلاحيات رئيس الجمهورية وينبذ الحكم الفردي».
الرئيس عبد المجيد تبون، حمل لواء التغيير والتزم بإعادة السلطة للشعب ومحاربة الفساد، واعتمد مقاربة التغيير المؤسساتي الذي يبدأ من تعديل الدستور، وصولا إلى الترسانة القانونية والتنظيمية التي تحكم سير مؤسسات الدولة باختلاف طبيعتها.
وقال تبون: «إن التغيير الحقيقي يكون مؤسساتيا وليس تغيير الأشخاص». وسبق وأكد أن تحديدا دقيقا وواضحا لنظام الحكم، يمثل الأرضية الصلبة التي تقوم عليها الجزائر الجديدة، «واعتمد دستور 2020 النظام شبه الرئاسي، بعد غموض وضبابية لازمت طبيعة نظام الحكم في البلاد منذ الاستقلال».
وفي سياق تكريس الإرادة الشعبية، لا يتردد الرئيس تبون في العودة إلى الشعب، ليفصل في مشاريعه السياسية، عن طريق الانتخاب، فقد اختار عرض مشروع تعديل الدستور عن طريق الاستفتاء الشعبي، بعد المشاورات الموسعة مع الطبقة السياسية والمجتمع المدني. وعلى الرغم من ضعف المشاركة في التصويت، إلا أنه لم تسجل أية خروقات تتعلق بالتزوير أو تضخيم نسبة المشاركة، ما جعل النقاش يتحول من النتيجة النهائية إلى استعادة الثقافة الانتخابية.
مؤسسات جديدة
ولأن إرادة التغيير الجاد تتم دائما عبر الانتخابات، مثل ما هو معمول به في أعتى الديمقراطيات، قرر رئيس الجمهورية مرة أخرى إعادة الكلمة للشعب، من أجل إعادة انتخاب مجلس شعبي وطني جديد خال «من المال الفاسد أو غير الفاسد».
وجاء قرار حل البرلمان، بعدما تلطخت صورته بشراء الذمم والمراتب في القوائم الانتخابية في تشريعيات 2017، ما سحب منه نهائيا مصداقية التمثيل النيابي للمواطنين، وستُدعى الهيئة الانتخابية قريبا إلى تشريعيات مسبقة تنظم في غضون 3 أشهر.
وستنظم الاستحقاقات المقبلة، في إطار قانوني جديد يحدد نظام الانتخابات، يجري إعداده بعد الأخذ باقتراحات 49 حزبا، بحسب ما كشفته لجنة الخبراء. وتسجل الجزائر سابقة فريدة في إفريقيا والعالم، من خلال عرض مشروع قانون الانتخابات للنقاش العام قبل المصادقة عليه.
ولأن حراك الجزائريين، كان حراك كرامة وحرية، تضمن الدستور الجديد تعديلات عديدة في مجال الحريات الفردية والجماعية، خاصة ما تعلق بإنشاء الأحزاب، الجمعيات ووسائل الإعلام، عن طريق التصريح بدل الترخيص.
ولأن الجزائريين يتساوون في كل شيء، أطلق الرئيس تبون برنامجا واعدا لفائدة ما بات يعرف بمناطق الظل، والتي كان يقطنها أزيد من 8 ملايين نسمة، كانوا محرومين من التنمية وشروط الحياة الكريمة، وتم إنجاز أزيد من 70 بالمائة من المشاريع التي سجلت بهذه المناطق.
تحرير المبادرة الاقتصادية
دائما ما كانت رؤية الرئيس عبد المجيد تبون، إلى الأزمة الاقتصادية والفساد المالي، على أنها «نتيجة لقرارات تصاغ على مقاس مصالح جهات معينة بدل المصلحة العامة»، لذلك قرر إعادة تقويم القرار الاقتصادي بما يضمن السيادة الوطنية ودعم الإنتاج الوطني.
وأطلق مخطط الإنعاش الاقتصادي، كخطة إصلاح شامل بالتزامن مع أزمة اقتصادية مزدوجة ناجمة عن تدني مداخيل النفط وتفشي فيروس كورونا. وبالرغم من ذلك، سطر هدف تصدير 5 ملايير دولار خارج المحروقات هذه السنة.
ومن المنتظر، أن تخضع عملية الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الوطني إلى نقاش وطني شامل، بعد تجديد المجالس المنتخبة واكتسابها الشرعية اللازمة للخوض والفصل في قضايا وطنية جوهرية.






