عرف الحراك الشعبي منذ انطلاقته في 22 فيفري 2019 انتعاشا للفكر والفنّ والأدب وتفجير مواهب وطاقات إبداعية شبابية لطالما كانت حبيسة التهميش، صنعت لنفسها في الحدث مكانة تخطت الحدود، ووثقها التاريخ المعاصر فجعل منها قدوة للأجيال والشعوب.
شعارات وأغاني، جداريات الغضب والأمل وإصدارات الأدب الاستعجالي، الفنّ والرقص والموسيقى، والتآزر الأخوي والحضاري، كلّها ميزات ولدت من رحم حراك الشعب الجزائري، الذي حطم قيود الصمت والصبر المرير وهبّ كرجل واحد ليطالب بحقه المشروع في صناعة غده وبناء مستقبله، فقاد لذلك انتفاضة سلمية حضارية، جعل من الشارع ميدانا لمعركته وركحا لإبداعات المواهب الشابة والمثقفين والفنانين.
عبروا فأبدعوا، رسموا، فاستقطبوا احترام الجميع… جابوا شوارع المدن الكبيرة والصغيرة كل جمعة وسبت وثلاثاء، لساعات طويلة في مسيرات اتسمت بالسلم واحترام رجال الأمن والدعوة إلى الانضباط والتضامن الاجتماعي وحملات التنظيف فكانت المواطنة ميزتهم والوطنية رايتهم وحبّ الجزائر شعارهم الأول والأخير. مسيرات عارمة، صنعت ملحمة أخرى من ملاحم الجزائر الأدبية، شارك فيها بقوّة المثقفون المخضرمون والمبدعون الشباب من كل الأطياف.
جداريات الأمل والمعاناة
كان الحراك الشعبي مناسبة لخروج فنّ الشارع إلى الواجهة بقوة، إذ تشكلت مجموعات شبابية يجمع بين أفرادها الفنّ التشكيلي والموسيقى والشغف الكبير في إبراز الموهبة والتعبير عن الرأي، فترجموا غضبهم وآراءهم المكتوبة من خلال حملات نظافة لأحياء وأزقة انعدمت فيها الحركة لسنوات طويلة بسبب تراكم الأوساخ وتمركز أصحاب العنف والسمعة السيئة بها.
وكانت انطلاقة للتحرر الفني، ولاسترجاع الشعب لمبادئه الإنسانية وسلوكياته الحضارية التي غابت طويلا عن الواجهة. ورجعت كل الابتسامة مع التسامح إلى الشارع، ومعهما الرسومات والعروض الموسيقية والفنية ووقع الاحتفال بالرغم من شدّة الموقف وصعوبته.
لقد أظهر الشعب الجزائري للعالم أنه مسالم متحضر، يحترم المواثيق الإنسانية وديمقراطية المطالبة بحقوقه المشروعة. وحرر الحراك الأصيل الألسنة المكبوتة، والقيم الجميلة المسجونة لسنوات من القمع والفساد، فكانت بادرته وقفة ميليسا زياد على رأس قدميها بخف بالي، في صورة معبرة وكأنها تقول بالثقافة والفن نجسّد التغيير.
شعارات قنّنت المسيرات الشعبية
«الجيش-الشعب خاوة -خاوة «، «سلمية-سلمية « و»مكانش الخامسة «، «لا تأجيل لا تعديل.. وأخرى هي شعارات انطلقت منذ أول جمعة وتجدّدت وتطوّرت وفق للقرارات السياسية التي كانت تأخذ مع زيادة تصعيد الغضب الشعبي، احتضنها «الحراكيون» وجعلوا منها محفزا لخرجاتهم أيام الجمعة والسبت والثلاثاء، سواء بالعاصمة أو بالمدن الأخرى.
شعارات دقيقة المعنى لخصت المطالب بوعي في كلمات كان وزنها على حكومة الفساد أقوى من وقع الرصاص، حملها المصمّمون الفنيون الشباب في لافتات وملصقات لفتت أنظار العالم وردّدها الكبار والصغار دون كلل أو ملل، وتبنّت البعض منها العديد من الشعوب الإفريقية والعربية، في مسيراتها المطالبة هي الأخرى بالتغيير.
وترجمت الشعارات بدقة وتناغم كبيرين إرادة الشعب في التغيير بسلمية ودون إراقة قطرة دم واحدة، كما عكست الوعي السياسي والإبداع لدى الجزائريين والجزائريات والتفافهم حول مطالبهم ليجعلوا من عباراتهم بنودا سياسية تقنّن المسيرات الأصيلة كان أولها : «الشعب هو البطل الوحيد. « ويوطدوا اتفاقهم على تبنيها واستعمالها من خلال صفحات التواصل الاجتماعي التي قام بأدوارها أدوارا مفصلية في الاتصال وتنوير الرأي العام الوطني والدولي.
أغاني من الشارع وإلى الشارع
ترجم الغضب الشعبي العارم خلال مسيرات الحراك الأصيل في أغان، مثل أغنية «لاكازا» التي تخطت حدود الوطن للعالمية، كتب كلماتها شباب مهمش، يحلم بالحرقة على متن قوارب الموت ويقتل الوقت الضائع بمتابعة كرة القدم ومبارياته التي تشكل فرصة له لإخراج كل المكبوتات على إدراج الملاعب، يغني فيها عن الخير والبطالة، والظلم، والإقصاء، وعن السياسة والساسة والفوارق الاجتماعية والهوة بين الأغنياء الجدد والشعب «المحقور».
وكانت المفاجأة كبيرة أغاني ترجمت بامتياز متابعة هؤلاء الشباب لكل صغيرة وكبيرة للوضع السائد في البلاد واطلاعهم بكل شاردة وواردة في قرارات الحكومة السابقة، وأيضا فهمهم لها، فكانت مواويل جميلة جدا، وضع ألحانها عصاميون ليجعلوا منها أهازيج تهلل لمستقبل زاهر قريب.
ولم يغب الفنانون المخضرمون عن الركب، بل عبّروا هم أيضا عن مواقفهم من خلال «أغان» و» كليبات» فردية وجماعية يساندون فيها الحراك المبارك.





