لم يتفق خبراء الساسة والشؤون الأمنية في تحديد مفهوم واحد جامع، واضح المعالم لظاهرة الإرهاب التي غيرت مجرى التاريخ الإنساني والاجتماعي، عن طريق الأساليب التي تعتمدها في الوصول إلى أهدافها ذات المعتقد الإجرامي، تغير شخوصها كل مرة، عن طريق استهداف الإنسان والبنى التحية للدول مستغلة، حالة التفكك التي ضربت أسس الدولة في المقاومة، مهددة استقرارها واقتصادها وسلامة ترابها، نتيجة ما يسمى “الربيع العربي”.
إذا كان الإرهاب الذي تغلغل في العراق وسوريا وليبيا وتونس اليوم هو نفسه الإرهاب الذي حاول إجهاض الجزائري تسعينيات القرن الماضي، فإن مقاومته لم تكن سهلة والقضاء عليه تطلب الكثير من الزمن والكثير من التضحيات الجسام، ليكلل في الأخير بمرجعية نموذجية في التصدي له ومحاربته، هذا لا يعني، أن هذا المد التراجيدي قد انتهى إلى الأبد، لكن تواجده في الدول التي سبق وأن ذكرتها سالفا يحتم علينا تكثيف الجهود وحالة التأهب للتصدي لأي طارئ ينجم عن ما يدور في فلك دول الجوار، لإفرازات من شأنها أن تهدد وحدتنا الترابية ومنظومتنا الأمنية، خاصة في ظل تداعيات عولمة الإرهاب على منطقة الساحل وخارجها، أين تكثر أروقة الجريمة المنظمة بكل أشكالها سواء ما تعلق منها بالأسلحة أو تهريب المخدرات، أو تجارة الرق التي تمول بها العصابات تنظيم «داعش» في إطار المقايضة بين البشر والسلاح والمخدرات، وهي إستراتيجية تعتمدها «داعش» لتمرير عناصرها ضمن الهجرات غير الشرعية، نحو ضفتي المتوسط، ثم الاستقرار بايطاليا، ومنها التسلل نحو دول أوروبا بكل حرية تحت توصيات الإمارة الداعشية التي أصبحت تلجأ إلى اعتماد وسائل التواصل الاجتماعي لإعطاء المعلومات وتنفيذ الأوامر.
العملية الأخيرة التي هزت فرنسا مؤخرا في منطقة ايزير، أين قام الإرهابي صالحي بقطع رأس صاحب المصنع وأخذ صورة معه ثم أرسلها إلى صديقه بسوريا عن طريق شبكة التواصل الاجتماعي، إلا دليل على أن تنظيم «داعش» أصبح يلجأ لتنفيذ مخططاته، على الأعمال الفردية التي لا تكلف كثيرا بأقل تكلفة وفي أقرب وقت وبأسهل الطرق، وهذا العمل نفسه الذي ذهب إليه الإرهابي الذي قام بمجزرة سوسة الأخيرة، وقد رأينا كيف تم تنفيذ العملية بكل برودة، قضى فيها على 17 سائحا من عديد الدول وبهذا الفعل الإجرامي تكون «داعش» قد استطاعت أن تضرب أهم قطاع اقتصادي وهو السياحة التي تعتمدها تونس كأهم مصدر في بناء منظومتها الاقتصادية.
يجرنا الحديث عن الإرهاب إلى طرح تساؤلات، لا يسمح المجال لذكرها جميعا لكن ما يمكن الإشارة إليه في ضوء هذه النافذة، أن الإرهاب كتنظيم مسلح لا يخضع لمبدأ الروح أو الذات كما هو حاصل مع القاعدة التي كان يتزعمها بن لادن، حيث لديها الحيز العملياتي الذي يمكنها من تنفيذ مخططاتها الإجرامية، كاستهداف الاقتصاد ومنابعه مثلا، عكس تنظيم «داعش» الذي يستمد ولاءه من “الخليفة البغدادي”، هذا الأخير يبقى في نظر أتباعه زعيما روحيا فقط، يرفع له الولاء لتبقى الأعمال الداعشية المتفرقة الأخرى تحمل ذات صاحبها أو منفذها وهنا يكمن الفرق بين التنظيمين، ولكنهما في الأصل يجتمعان في صفة واحدة وأساليب واحدة وهي الجريمة المنظمة.


