احتضنت المدينة السويسرية جنيف أمس جولة جديدة من الحوار بمشاركة مختلف الفاعلين في المشهد الليبي الذين قدموا إلى هذه المدينة لمناقشة مستقبل بلادهم الغارقة في متاهات من الفوضى و العنف على مدار أربع سنوات كاملة لم يجن خلالها الشعب الليبي الا الاشواك و شح في أقواته و أرزاقه و خوف على نفسه و ممتلكاته ، هذا هو بكل أسف الواقع الليبي بعد (الثورة) التي أطاحت بنظام ألقذافي و التي انتظر منها أحفاد عمر المختار أن تخلصهم من هذا النظام الذي جثم على صدورهم لأربعة عقود كاملة و استبداله بدولة مدنية حديثة يكون المحدد الرئيسي فيها هو القانون و يكون الشعب هو مصدر كل السلطات عبر اختياره السيد و الحر لمن يحكمه و يسير شؤونه إلا أن الأيام أثبتت عكس ذلك.
ان المتتبع للمشهد الليبي يلاحظ ان ليبيا لم تستطع التخلص بعد من مرحلة الثورة و ما يرافق هذا المصطلح من تسيّب بسبب اعتقاد كل واحد شارك في مظاهرة او حمل قطعة سلاح ان ذلك يعطيه الحق في تحديد مصير و مستقبل شعب بأكمله خاصة أمام حالة الفراغ المؤسساتي و غياب دولة قادرة على فرض منطق القانون و على إعادة الأمور إلى نصابها.
الأكيد أن هذه الدولة هي الحلقة المفقودة في المشهد الليبي اليوم و عليه فانه و في حال توصّل الأطراف الليبية إلى اتفاق – تخرج به مفاوضات جنيف- يقضي بإقامة حكومة إجماع وطني سيكون ذلك بمثابة عقد اجتماعي تاريخي سيضع ليبيا على سكة الاستقرار و السلام و سيشكل خطوة محورية في العودة إلى مرحلة الدولة التي ستكون وحدها المخولة باستعمال العنف المشروع المكفول لها قانونا لحماية مواطنيها و ممتلكاتهم من عبث العابثين الذين أصبحوا يشكلون مصدر تهديد كل دول الجوار و ليس على الليبيين وحدهم ، حيث إن ليبيا تحولت إلى بسبب الفوضى و التسيب التي تعيشها إلى مصدر استقطاب للجماعات الإرهابية و لعصابات تهريب السلاح التي وجدت نفسها تنشط بكل حرية في ربوع ليبيا بسبب غياب الدولة و مؤسساتها و كنتيجة مباشرة لذلك ، سرعان ما تكبدت دول الجوار تداعيات هذا المشهد الذي خلّفه تدخل الحلف الأطلسي و كانت أول ضحاياه مالي التي وجدت جزءا من ترابها يقع تحت سطوة الجماعات الإرهابية سنة 2012 و هو سيناريو طالما حذّرت منه الجزائر و دعت إلى التعاطي مع الأزمة الليبية في بدايتها بحكمة لتفادي الوقوع في المتاهة التي نشهدها اليوم و لكن موقفها أوّل آنذاك – ضمن حملة تشويه و تغليط مبرمجة – بالمؤيد للأنظمة الديكتاتورية و المناهض لتطلعات الشعوب في الحرية و التغيير و اليوم يمكن لكل عاقل ان يفهم من كان ضد الشعوب و من ضدها؟ !







