الاعتراف مؤجل إلى إشعار آخر
عاد المجاهد مخلوفي عولي، مسؤول الشباب في فيدرالية الآفلان بفرنسا، إلى مجازر 17 أكتوبر 1961 وما تحمله من دلالة ومعنى في النضال الجزائري من أجل الحرية وتقرير المصير.
وقال عولي، الذي كشف عن حقائق جديدة لمسيرة الجزائريين في المهجر وكسرهم لطوق الحصار وحظر التجول، أن هذه الانتفاضة التي هزت فرنسا وكشفت عن وجهها الإجرامي، تثبت بالدليل القاطع حنكة قيادة الثورة ودهائها في نقل الصراع إلى عمق المستعمر، ومن ثم استمالة الرأي العام ومناصرته للقضية العادلة.
وتم هذا بالفعل وتحقق في الميدان، مثلما برمج وخطط له، حيث أن المجازر التي ارتكبت في حق الجزائريين بوحشية غير مسبوقة، حركت عواطف النخبة المثقفة بفرنسا وباقي أوروبا والعالم. وتركت الكثير من المثقفين من مختلف أنحاء المعمورة يخرجون من الصمت الرهيب ويدلون بآرائهم المساندة لحرية الجزائريين وشرعية تقرير مصيرهم.
ظهر هذا مع جان بول سارتر، الأديب العالمي ماركيز حامل جائزة نوبل للسلام. وظهر مع قادة سياسيين ومناضلين فرنسيين لعبوا دورا رياديا في مناصرة القضية الجزائريين متجاوزين الخوف والتردد مضحين بأنفسهم وعائلاتهم.
من هؤلاء مارسيل، نيكول دريفيس، الذين خاضوا معارك قضائية وهم يرافعون من أجل تجريم موريس بابون وغيره من الجلادين، الذين كانوا وراء القمع الوحشي الذي استهدف الجزائريين المسالمين، مرتكبين جرائم ضد الإنسانية وجرائم دولة يعاقب عليها القانون الدولي.
لقد ثارت النخبة الفرنسية ضد الهمجية الاستعمارية الفرنسية التي تجاوزت الحدود برمي الجزائريين مكتوفي الأيدي أحياء في نهر السين، وألفوا كتبا وأخرجوا أفلاما تثير العواطف والأحاسيس وتظهر حقائق الأشياء.
أكد هذا الطرح، حسب المجاهد مخلوف وهو عضو مؤسس لجمعية 8 ماي 1945 المؤرخ الفرنسي جيل ما نيسرون في كتابه الذي تجاوزت شهرته الحدود والأوطان «الصمت الثلاثي ازاء مجزرة» وبطبيعة الحال يتحدث عن مجازر اكتوبر الاسود، التي اخفت فرنسا وثائق عنها ولم تظهر لحد الآن التقرير المفصل لما جرى في 17 اكتوبر الغضب، فارضة حظر على الأحكام القضائية والمرافعات والأرشيف.
من جهته، المؤرخ جون لوك اينودي الذي وصف رد الفعل الفرنسي الوحشي تجاه المسيرة السلمية في كتاب صحفي بيومية «لوموند» فكلفه المتابعة القضائية من السفاح بابون، الذي تعرض لمحاكمة هزلية بتهمة تورطه في جرائم ضد الإنسانية خلال الاحتلال الألماني سنة 1998. وهي محاكمة تثبت مدى كيل القضاء الفرنسي بالمكيالين، حيث يورط من يشاء في جرائم وابادة ويتجاهل المجازر المرتكبة من فرنسا الاستعمارية طيلة احتلال الجزائر.
والغريب في ذلك يظهر تشريع 23 فيفري 2005 ليبيض وجه فرنسا الاستعماري بالزعم أن لها رسالة تحضر وتمدن وليس شيئا آخر.
أكثر من 50 سنة مر على استقلال الجزائر ولا زالت الخطاب الفرنسي الرسمي سائرا على الدرب والتنكر للجرائم وعدم الاعتراف بها، عكس ما قامت به ايطاليا تجاه ليبيا، وما أقدمت عليه بريطانيا من اعتذار تجاه جريمة ارتكبت في حق قبيلة ما ماو. الأكثر أن فرنسا تبقى وفية لنهجها الاستعماري، يكشف النقاب عنه خرجات الرئيس السابق نيكولا سيركوزي، الذي يثير في كل مرة ما يصفه بجرائم تركيا في أرمينيا ويتناسى الجرائم الفرنسية في حق الجزائريين وما أخطرها وأكثرها.
أكثر من نصف قرن ولا زالت فرنسا تقلل من المجازر ولا تعطي عدد الذي رمت بهم في السين مقدمة مغالطات. وحده جون لوك اينودي كسر الطابوهات في كتابه «معركة باريس، 17 أكتوبر 1961»، حيث تطرق إلى 200 قتيل تم إحصاؤهم على أساس أرشيف جبهة التحرير الوطني وشهادات أخرى وبالنسبة لفترة سبتمبر-أكتوبر 1961.
أعطى المؤرخ عدد 325 قتيل من بين الجزائريين، لكن الذين نجوا من الموت يحصون عدد ضحايا مجازر شرطة بابون 300 شهيد وما خفي أكبر وأعظم.





