يثير موضوع علاقة المواطن بالصحافة، خاصة بدول العالم الثالث، مجموعة من الإشكاليات، أخطرها أن التكنولوجيات الحديثة جعلت المواطن البسيط إعلاميا بالدرجة الأولى. فالغالبية العظمى من القنوات والمؤسسات العالمية، تنشط في شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات عبر الهواتف الذكية والانترنت. والسؤال المطروح، كيف نضطلع بمسئوليتنا كاملة في تقدير حدود الانفتاح والتوجيه والرقابة، دون أن نكبح الحرية؟ إنه السؤال الذي طرحته “الشعب” على إعلاميين بعاصمة الغرب الجزائري.
حذر الدكتور عبد القادر ثاني قدور، أستاذ بجامعة الإعلام والاتصال بوهران، من خطر الإعلام الجديد بمختلف وسائطه وتقنياته، كالبريد الإلكتروني والفيسبوك وتويتر والواتس آب وغيرها… والتي تجاوزت، بحسبه، كل الحدود والحواجز وأصبح المتحكم الأول في منظومة الإعلام.
وقال الدكتور لـ “الشعب”، إن الأمن الإعلامي يتعرض لهجمة شرسة تقودها وسائل الإعلام الكبيرة والمتطورة عبر العالم، لدرجة أن المواطن أصبح في الكثير من المواقف يسبق الصحافي في تحرير الخبر، باعتماد التقنيات الجديدة المتطورة. كما اعتبر أن موضوع أخلاقيات الصحافة والإعلام، من أكثر القضايا المهنية جدلا، في ظل اشتداد المنافسة.
وواصل الدكتور قراءته في المشهد المتغير قائلا، إن الإعلام الجديد عموما والقنوات الفضائية خصوصا، من أكثر الوسائل التي تعتمد على الخبرات والمخططات التي تمتلك قدرة هائلة لصناعة الأحداث وإحداث التغيير، وتلك هي خطورة الانفتاح. داعيا إلى تغيير جذري في المنظومة الإعلامية التقليدية، سواء المقروء أو المسموع أو المرئي وتنظيم الساحة بطريقة عقلانية، من خلال إنشاء خلايا تفكير على مستوى وزارة الاتصال أو المؤسسات الرسمية، تتشكل من مختلف الفاعلين في المجال، مهمتها الأساسية طرح الأفكار وإبداء الرأي، مبيّنا أن الحرية مسؤولية وأن الردع وحده، يعتبر تقييدا لحرية التعبير.
في هذا الإطار، أكد ثاني قدور، على ضرورة إنشاء مدارس ومعاهد أكاديمية متخصصة في التأهيل والتدريب، مشيرا إلى أن الجانب التطبيقي، يعد من أهم المرتكزات التي تساعد في دعم السلطة الرابعة وتعمل على تسهيل مهامها وتأدية واجباتها على أكمل وجه. ومن وجهة نظره الشخصية، فإن الجانب التطبيقي، خاصة في التخصصات الإعلامية والاتصال، “ضعيف”، لذا لابد من تعزيز التعاون مع التلفزيون والإذاعة والجرائد.
وعن الصحافة ودورها في المجتمع، قال إن للصحافة دورا فعالا ومهما جدا في التعبير عن آراء الأفراد والمواطنين وفي تبصير أفراد الشعب بحقوقهم وفضح المخططات المعادية لأمتهم.
وأردف قائلا: إن هناك بعض الطرق للتمييز بين حقيقة الخبر وتحليله من قبل “قادة الرأي” من رؤساء أحزاب، وزراء، مديرين وولاة وكل من لهم علاقة بمؤسسات السلطة والجانب المعارض، وهنا يكمن دور المؤسسات الإعلامية في الغربلة والتأثير في الرأي العام، بحسب نفس المصدر.
ما يطلبه ثاني قدور من الصحافة وعموم وسائل الإعلام، أن تكون صوتا للشعب، تعبّر عن أفكاره وطموحه وأن تنقل الحقيقة لعموم الناس.
كما يريد أن تكون صحافتنا، أهم مظهر حضاري وأروع تعبير عن الممارسة الديمقراطية.
في تصريح لمبارك نجاح، أستاذ مختص في علم الاجتماع، قال لنا إن العلاقة بين المجتمع والصحافة تاريخية، متسائلا: هل بإمكاننا أن نصدر أحكاما على الصحافة الجزائرية وترتيبها في مدة قصيرة، وعقب قائلا: المهمة صعبة ولابد من معطيات علمية لتكون موضوعية. وكانت أول ملاحظة سجلها المختص، التنوع والتطور والتعددية، خاصة بعد دستور 1989 وكذا التطور الحاصل في مجال التكوين، مشيرا إلى كليات الإعلام والاتصال بالجزائر وازدياد عدد المخابر والأساتذة المختصين في هذا القطاع.
وأكد أن الصحافة الجزائرية، قد حققت تقدما لا يمكن إنكاره، مشيدا بالدور الكبير الذي يلعبه الإعلام في كل المجالات، في مقدمتها الصحافة، والمطلوب منها – يقول نفس المتحدث – أن تصنع لنفسها موقعا محليا، جهويا، إقليميا وعالميا، بما يخدم المجتمع ومختلف مؤسسات الدولة، خاصة ونحن نعيش موجة من الإعلام والقنوات المسيطرة على العالم، يضيف نفس المتحدث.
وأردف نجاح قائلا: الصحافة هي المرآة التي تعكس لنا الحالة التي يكون عليها المجتمع، مؤكدا على أهمية التخصّص وتعزيز المجال الاقتصادي، وبخاصة في الفترة الراهنة، وذلك لقدرة هذه القنوات وتكنولوجيا الاتصال على تسجيل ما يجري في العالم وتضع الأشياء في أطرها بشكل يواكب ويساير الحدث وعلى مدار الساعة. وبحسبه، فإن الإعلام والمجتمع يرتبطان منذ القدم بعلاقة تفاعلية تكاملية يكمل أحدهما الآخر، يؤثر ويتأثر ويتفاعل معه.
من جانبها الصحافية أمينة قروج، من جريدة “الوصل”، اعتبرت أن المستوى التطبيقي في الجامعات لايزال دون المستوى المأمول، على حد وصفها، مطالبة بضرورة الموازنة بين الجانبين النظري والتطبيقي وزيادة التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجامعة في الجانب التدريبي لإكسابهم المهارات اللازمة، مشيرة إلى أن الجانب التطبيقي يعد من أهم المرتكزات التي تسهل مهامّنا وتأدية واجبنا على أكمل وجه، الأمر الذي يدعو، بحسبها، إلى التفكير في استراتيجية تدريبية حديثة وناجعة، ترتكز على الجانب التطبيقي، خصوصا أن الإعلام والاتصال من التخصصات التي تعتمد على التطبيق والممارسة.
ولفتت متحدثة “الشعب”، إلى أن بعض المؤسسات الإعلامية لا تتعاون مع الجامعات في توفير الفرص التدريبية المناسبة للشباب قبل تخرجهم وهذه نقطة مهمة للغاية، كون تعزيز العلاقة بين الجامعات والقطاع الخاص، سيُسهم كثيرا في التأهيل واكتساب المهارات اللازمة التي تمكنهم من الانخراط في سوق العمل فور تخرجهم، خاصة وأن عدد طلبة الإعلام والاتصال في تطور مستمر، يعزّزه الدور الذي تلعبه الجامعة في التكوين ودعم الدولة للقطاع، سواء كان عموميا أو مستقلا.



