ونحن نحيي الذكرى الـ 53 لبسط السيادة على الإذاعة والتلفزيون يوم 28 أكتوبر 1962 لا يجب أن ننسى ثلة من الإعلاميين والتقنيين الذين حافظوا على استمرارية البث الإذاعي والتلفزي بعد انسحاب التقنيين الفرنسيين دون سابق إنذار وذلك لمجرد رفع الراية الوطنية على مبنى الإذاعة والتلفزيون ظنا منهم أن ذلك الرعيل الأول من الإعلاميين الجزائريين سيجدون أنفسهم عاجزين عن تسيير هذين المؤسستين اللتين كانتا يقع عليهما عاتق إيصال صوت وصورة الجزائر المستقلة إلى كل ربوع المعمورة في تلك الفترة الحاسمة والحساسة من التاريخ الحديث للجزائر لتعلن انعاتقها من أعتى طغمة استعمارية وتدشن مرحلة جديدة هي حقبة الاندماج في المجتمع الدولي، بصفتها دولة كاملة السيادة وهي المهمة التي لعب فيها الإذاعة والتلفزيون دورا كبير إلى جانب العمل الدبلوماسي المركز والمستمر.
إن جزائر الاستقلال ليست جزائر ذلك الذي نحيي ذكراه وهي مناسبة تحمل الكثير من الرسائل لعل من أهمها أن الفرد الجزائري قادر على رفع التحديات مهما كانت صعبة ومعقدة والأجيال مازالت تتلاحق الجيل تلو الآخر لاستلام مشعل النضال الإعلامي وإن كانت المهمة التي يضطلع بها الإعلامي والتقني الجزائري اليوم خلف الشاشة والميكرفون تختلف عن سابقيه، فبينما كان على جيل الثورة تعزيز الاستقلال الوطني وكان على الجيل الذي جاء بعده مرافقة ثورة التنمية والبناء والتعمير فإن جيل اليوم يواجه مهمة أكثر تعقيدا وتداخلا وهي مهمة الحفاظ على مكتسبات الثورة والتنمية والأهم من ذلك كله الحفاظ على تماسك الشعب ووحدة الجزائر التي تواجه اليوم حملات مسعورة وشرسة تلعب على ورقة الجهوية والعرقية وتحاول أن تجعل من التنوع الثقافي الرائع – وهو أحد محاسن هذا الوطن- منفذا لتبث عبره سموم التفرقة والتهديم من خلال إحياء النعرات العرقية واللغوية.
لا بد أن نذكر في هذا الصدد أن الإذاعة الوطنية قدمت نموذجا رائعا لتثمين هذا التنوع الثقافي واللغوي الموجود بالجزائر من خلال استحداث قنوات إذاعية جهوية وهي خطوة مهمة على طريق تحصين الوحدة الوطنية وتعزيز المواطنة والانتماء إلى هذا الوطن من خلال إشعار كل مواطن في أي نقطة من الجزائر انه يحظى بنفس الاهتمام والرعاية مثل ذلك الذي يتواجد بالقرب من مراكز القرار في العاصمة والمدن الكبرى ولديه الحق نفسه في الإعلام الإذاعي الذي تقع عليه بالمقابل نقل همومه وانشغالاته إلى مسؤوليه المحليين ومنه إلى السلطات المركزية كذلك.
إن إحياء ذكرى بسط السيادة على الإذاعة والتلفزيون والتحديات التي تواجه هاتين المؤسستين اليوم كان محور نقاش احتضنته يومية «الشعب» بالمناسبة بمشاركة وجوه تلفزيونية وأصوات إذاعية على غرار الزميلتين فوزية بوسباك وأمال عولمي من التلفزيون الجزائري والزملاء من الإذاعة الوطنية، مريم عبدو، أمينة زيري ومحمد شلوش، هذا الأخير الذي ثمّن ما حققته الإذاعة الوطنية سيّما عبر استحداث الإذاعات الجهوية والمتخصصة التي ناهز عددها الـ 55 قناة منها 27 محطة إذاعية تبث باللغة الأمازيغية وهو الشيء الذي اعتبره تعزيزا للتنوع والثراء الثقافي الموجود بالجزائر وتأكيد على حق المواطن الجزائري في الإعلام أينما كان.
الأكيد أن الإذاعة والتلفزيون وعناوين أخرى مكتوبة على غرار جريدة «الشعب» تتعدى كونها مجرد وسائل إعلام فقط ولكن هي في حقيقة الأمر إحدى رموز جزائر الاستقلال لذا فهي تستحق رعاية ودعم الدولة الجزائرية للمحافظة عليها من الاندثار والزوال في ظل منافسة محمومة وغير شريفة في كثير من الأحيان.


