رحيل قائد تاريخي ووطني ثوري
أشاد رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، بخصال المجاهد القائد حسين آيت أحمد، الذي رحل عنا أمس بعد مرض عضال. وقال الرئيس بوتفليقة في برقية تعزية أن الفقيد يعد من الرعيل الأول للثورة التحريرية المظفرة واقترن نضاله بالحركة الوطنية وثورة نوفمبر، حيث وضع الجزائر فوق كل اعتبار، رافضا المساومة عن قيم الحرية والوطنية.
فقدت الجزائر أحد رموزها الكبار مفجري الثورة التحريرية وهي تخوض معركة إصلاحات من أجل تعزيز الممارسة الديمقراطية وتقوية دولة المؤسسات، تلعب فيها المعارضة دورا أوسع في الدستور المرتقب تعديله قريبا. برحيل الزعيم حسين آيت أحمد القائد التاريخي والثوري تكون الجزائر قد فقدت أخر قادتها التاريخيين الذين فجروا شرارة نوفمبر، مقدمين أنفسهم قربانا للحرية والانعتاق.
شاءت الصدف أن يرحل الزعيم التاريخي والثوري حسين آيت أحمد في شهر ديسمبر، وهو نفس الشهر الذي رحل فيه قائدان كبيران أخران وهما فرحات عباس يوم 24 ديسمبر والرئيس هواري بومدين يوم 27 من نفس الشهر. رحل الزعماء في شهر واحد وهم يشتركون في سمة واحدة: النضال من أجل جزائر قوية تنعم بالاستقرار والرخاء. نضالات متعددة بين القادة، تباينت الوسائل وزوايا المقاربات، لكن تقاطعت حول الهدف الواحد والمغزى: بناء جزائر المؤسسات التي لا تزول بزوال الرجال.
شاءت الصدف أن يرحل الوطني حسين آيت أحمد، في الشهر الذي أسس فيها أول تشكيلة سياسية معارضة «الأفافاس» في 29 ديسمبر عام 1963، رافعا شعار التعددية والاشتراكية التي يراها خيارا أنسب في جزائر تتساوى فيها الفرص والعدالة الاجتماعية والقيم الإنسانية.
إنها مسألة حاضرة بقوة في مختلف أنشطة «الدا الحسين» الوطني الحريص على إعطاء الجبهة التي أسسها هذا البعد دون إبقائها أسيرة الجغرافيا مثلما لمس في تشكيلات سياسية وحزبية لم تتحرر من هذه الخاصية. ظل حسين آيت أحمد أحد مؤسسي المنظمة الخاصة في نهاية الخمسينيات، وتولى رئاستها بعد وفاة محمد بوراس يرافع من أجل هذا المبدأ المقدس. ودافع عنه من مختلف المنابر أثناء الثورة وبعد الاستقلال، اعتقادا راسخا منه أن الجزائر يبنيها الجميع.
دافع عن هذا التوجه وهو ضمن المجموعة الـ9 التي مهدت الأرضية قبل لقاء القادة التاريخين الـ19 مفجري شرارة نوفمبر إيمانا راسخا منه أن هذه المقاربة هي التي تؤمن مسار الثورة وتوجهها نحو الهدف المقدس دون السقوط في الخلاقات والاختلافات العقيمة التي عرفتها الحركة الوطنية واجهضت مساراتها في المهد إلى درجة اتخذتها فرنسا ورقة رابحة لضرب القادة ومحاصرتهم واحدا واحدا، بل لاستغلال تناقضاتهم في مسعى التشويه للتحرر واظهار أن ما يقومون به القادة مجرد عصيان وتمرد عن نظام كولونيالي بائد.
على هذا الدرب سار الدا الحسين مدافعا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي أختزلت طيلة مساره السياسي، نظرته في بناء جزائر يحرص على أن يسودها التغيير الهادئ، غير الذي حاولت دوما جهات تغذيته والدفع به لضرب الاستقرار.
دخل آيت أحمد الجزائر من بوابة التعددية، حيث تولى منصب الأمين العام قبل التخلي عنه لأخرين ظلوا أوفياء على نهج القوى الاشتراكية التي رغم كل الظروف التي عرفتها الجزائر لم تبتعد عن خطها الوطني والدخول في مساومة مع تشكيلات تراها لا تخدم البلاد في شيء.
هذا النهج هو الذي أعطى الدا الحسين مصداقية وابقائه محل ثقة باعتباره من الوطنيين المخلصين المرسخين في الذاكرة الجماعية لا يمكن نسيانهم.





