بفقدان حسن آيت أحمد تكون الجزائر فقدت الكثير من الرموز التي صنعت تاريخها وساهمت في انتزاع الاستقلال رغم كل الظروف الصعبة، التي شهدتها سواء عند الاستعمار أو عند بناء الحركة الوطنية أو في خوض الكفاح المسلح وصولا إلى الاستقلال الذي لم يكن سهلا أبدا.
لقد سمعت أحد المؤرخين يقول إن الاختلافات والصراعات في الثورة بلغت درجات كبيرة جدا لكن نقطة التقاطع لدى قادة الثورة وجيش التحرير الوطني هو عدم إخراج أسرار الثورة، حتى لا تصل إلى مسامع العدو، مضيفا بأنه لو وصلت أنباء الصراعات إلى فرنسا كانت ستواصل عملها العسكري ولن تتفاوض.
لقد كان مؤتمر طرابلس المنعقد في جوان 1962 حاسما في مسار الكثير من القياديين في الثورة، حيث بدأت الانقسامات التي مازالت الجزائر تدفع ثمنها إلى اليوم، حول التوجهات التي يجب أن تأخذها الجزائر وبعد فرض جهة آرائها عن الآخرين تشتت قوى الجزائريين وكل واحد حاول إصلاح الأوضاع كما يرى في صورة كادت تؤدي بالبلاد إلى الهاوية وبالفعل تقاتل الجزائريين بالسلاح حتى خرج الشعب الجزائري يقول «البطل الوحيد هو الشعب» وهي العبارة التي غزت كل جدار الجزائر كدعوة للتهدئة وتحكيم العقل.
ومن الحزب الواحد إلى الأحزاب السرية التي أنشاها الراحلان محمد بوضياف وحسين آيت أحمد والكثير من الوجوه السياسية المعروفة لتقويم الأوضاع ومحاولة منح الإضافة، عرفت الجزائر الكثير من الأحداث التي بقيت مغيبة أو غائبة عن حلقة تاريخ الجزائر، الذي يجب أن يكتب فقط من أجل معرفة الحقيقة وتفادي تصفية الحسابات لرجال أدوا ما عليهم رغم كل ما يقال عنهم، إننا لا نستطيع أن نلعب دور القاضي في التاريخ فمعرفة الوقائع والحقائق الصحيحة ستجعلنا نتفادى الوقوع في الأخطاء الكارثية التي تجعل البلاد تخسر الكثير من الوقت والجهد في صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
إن التركيز على الرموز التاريخية للبلاد عند وفاتها أمر لا يمكن أن نفهمه ولنا أن نتساءل عن عدم عقد لقاءات بين قادة الثورة وأجيال المستقبل المتعطش لمعرفة الحقائق من المصدر حتى لا يزايد عليه أحد.
وتبقى معرفة الأمور في وقتها ومن المصدر أكبر حصانة للشعب الجزائري الذي بات يقرأ تاريخه من أقلام فرنسية وهي النقطة التي جعلت الكثيرين يدقون ناقوس الخطر للدعوة إلى كتابة تاريخ الجزائر والسماح للدراسات العلمية الجامعية بالخوض في مختلف ملفات الثورة للوصول إلى تراكم معرفي يجعل الحقائق واضحة وننتقل إلى مرحلة ما بعد الثورة من خلال مرجعية تاريخية موضوعية بعيدة عن كل أنواع التزلف والدعاية السلبية ومحاولات الانتقام البائسة التي لن تنفع أحدا.
بعضنا كإعلاميين انخرطنا في دوامة الحكم على قادة الثورة في صورة تؤكد عدم الوعي بمكانة الرجال والرموز التي نحن بفضلها اليوم نساهم في تسويد صورة وتاريخ الجزائر من حيث لا نشعر، ومنه مواصلة زرع اليأس والإحباط الذي يبقى أكبر عدو يواجهنا اليوم.
لقد حضرنا لجنازة الراحلين بوضياف، والشاذلي بن جديد، وعلي كافي وهوراي بومدين ومحساس واليوم آيت أحمد …..دون أن نتغير ومن لا تؤثر فيه الموت فقلبه ميت لا يمكن أّن يتأثر بالحي وهو ما يجب أن ننتبه إليه، فالاهتمام بالبلاد أمانة في أعناقنا.
عذرا للكبار والقامات الذين بموتهم سيحيون من جديد بينما نموت نحن في اليوم مئة مرة ومع كل مناسبة، لأننا نرفض قول الحقيقة لذاتنا لمن حولنا لمن نعمل معهم، فما بالك استنكار السلوكات المشينة التي نساهم جميعا في الترويج لها ونشرها وإقناع الناس بها لأن القليل من يعيش في حرية……..؟.


