عرفت الساحة الإعلامية في الجزائر في 2015 الكثير من التحولات التي تدعو إلى ضرورة إعادة النظر في الكثير من الأمور من أجل مستقبل أحسن.
كشفت الممارسة المهنية عدة اختلالات حيث يتجاوز الكثيرون القانون والتشريعات الإعلامية غير عابئين بالمسؤولية … كثير من المؤسسات الإعلامية تتحدث فقط عن الحرية وعندما يتم تنبيهها تقيم الدنيا ولا تقعدها وكأن الصحفي مواطن فوق القانون، وهو ما أدى بالكثيرين إلى ضرورة مراجعة التشريعات وتكييفها مع ما يجري لأن الانفلات سيؤدي إلى عواقب وخيمة.
إن خلق انسجام بين القوانين والممارسة يقتضي تحضيرات كبيرة تفتح المجال لرجال الإعلام للمساهمة في إعدادها مع إرفاقها بمواثيق أخلاقيات مهنة قوية تكون مؤطرة من كبار الصحافيين مع تأسيس نقابات صحافية قوية تساهم في حماية حرية التعبير والصحافة من التجاوزات والتطرق للحياة الخاصة للأفراد.
الجزائر من الدول النادرة التي تمتلك أكثر من 500 مؤسسة إعلامية وأكثر من 4000 صحفي ولكن يبقى دور الصحافة في المجتمع بعيدا كل البعد عن الأهداف التي أنشا من أجلها. باتت بعض العناوين الصحافية تلعب دور “الكل في الكل” تحاكم الأفراد والمؤسسات، ترفع من تشاء وتحط ممن تشاء في مشهد أعاد طرح مبادئ الحرية والمسؤولية.
وحتى وإن أرجع الكثيرون هذا الوضع إلى العشرية، إلا أن استمرار الأوضاع على ما لن يبشر بالخير خاصة في ظل انتشار العنف السياسي وتسويق خطابات تشحن المجتمع وتجعله على صفيح ساخن.
هل الصحافة انعكاس للواقع
يبرّر الكثير من الإعلاميين واقع الصحافة الجزائرية وخاصة المكتوبة إلى الواقع الذي تعيشه البلاد والذي يتميز بتحولات عميقة في المجتمع، أبرزها انتشار الجريمة والعنف والفساد والتي تعتبر آفات مدمرة للغاية وبالتالي فما تكتبه الصحافة لن يكون أكثر خطورة مما يحدث في الواقع. الكثير من الصحافيين يعتقدون بأن التركيز على النقد وفضح التجاوزات بمهنية استنادا الى مصدر معلومة موثقة من شأنه أن يردع هؤلاء.
وبالمقابل يؤكد إعلاميون أنهم لا حول ولا قوة لهم في اختيار المواضيع وتوجيهها ضد من يقف في وجه بعض المساهمين في صورة تعكس سيطرة أرباب الصحافة على الواقع وفرض منطقهم لجني أكبر قدر ممكن من أموال الإشهار لزيادة ثرواتهم.
فضحت الممارسة على مستوى السمعي البصري العديد من المؤسسات الإعلامية التي تجاوزت “الغاية تبرر الوسيلة” وأصبحت خطرا على الحريات، على قيم وتراث الشعب الجزائري. أصبحت هذه المؤسسات تستهزئ بكل شيء وتضحك وتتهجم على الجميع من أجل كسب أكبر قدر ممكن من المشاهدين ومنه المعلنين وهو ما دعا إلى ضرورة إعادة ضبط السمعي البصري الذي يظهر أن الجزائر لم تخسر الكثير بتأخير فتحه.
الاحترافية والظروف الاجتماعية للصحافيين
يطرح الصحافيون مشكل ظروفهم الاجتماعية الصعبة التي تبقى في اعتقادنا أهم حلقة لتحقيق الاحترافية والاستقلالية وممارسة حرية التعبير والصحافة. عديد الصحافيين باتوا عرضة للأمراض المزمنة جراء الضغوط التي يتعرضون لها داخل قاعات التحرير وفي ميدان العمل.
ويرفض أرباب الصحافة فتح رأسمال الشركات للصحافيين الذين يبيتون في مختلف مراقد العاصمة والميسور منهم يؤجر شقق جماعية مع زملاء فرضت عليهم الظروف هجرة مسقط رأسهم بحثا عن لقمة العيش.
وحتى شبكة الأجور الجديدة التي طبقت في الإعلام العمومي رفضت من المؤسسات الاعلامية الخاصة تطبيقها لأنها ستحسن من أوضاع الصحافيين الاجتماعية، وأرجعت للسطح مطالب المساهمين بضرورة مراجعة منح الإشهار العمومي دون أن تتحدث عن الإشهار الخاص الذي يشكل أكثر من 50 بالمائة من سوق الإشهار والتي تستحوذ عليه حوالي 5 صحف خاصة دون أن تخصّص منه كأرباح للصحافيين، وهذا في الوقت الذي اشترى فيه العديد من المساهمين عقارات بالخارج.
نرى أن الوصول إلى الاحترافية يقتضي تحسين الظروف الاجتماعية للصحافيين وتحريرهم من سلطة أرباب الصحافة الذين يلهثون وراء الثروات.



