تكفي التغيرات المناخية التي شهدها العالم ولايزال كمؤشر على أن كوكبنا الأزرق أصبح في خطر وأن الحياة بجميع أنواعها ومكوناتها بات يتهددها الانقراض بسبب هذه الظاهرة التي نلمس مظاهرها في محيطنا القريب كل يوم، حيث اختفت فيه الكثير من الأحياء النباتية والحيوانية بسبب الطفرة الصناعية الكبيرة التي أدت إلى تلوث هائل لم يستثن أحدا ولم يفرق في دماره بين المتسبّبين فيه وبين ضحاياه الذين لم يجنوا في حقيقة الأمر إلا الثمار المرة لهذا بينما لازالوا يكابدون التأخر الصناعي والتكنولوجي.
إن ندوة الأمم المتحدة حول التغيرات المناخية التي احتضنتها باريس، شهر نوفمبر الماضي، أثبتت أن هناك وعي عالمي غير مسبوق بضرورة التوقف مليّا عند هذه الظاهرة والإسراع في إيجاد حلول عملية عاجلة تمكن المجتمع الدولي من التوصل إلى تخفيض سرعة زحف هذا التلوث كأضعف الإيمان، خاصة وأن هذا الأخير أدى إلى اضطراب رهيب في وظائف الطبيعية ولا شك أن درجة حرارة الأرض هي المؤشر الأكبر على ذلك.
في هذا الصدد، احتضن معهد الدراسات الاستراتيجية الشاملة، أمس، مائدة مستديرة لمناقشة نتائج وقرارات قمة باريس حول التغيرات المناخية بعنوان: “اتفاقية باريس حول المناخ: التحديات والفرص”، قدم خلالها الدكتور أحمد جغلاف مداخلة تناولت أهم ما خرجت به هذه القمة، التي اعتبرها قمة تاريخية بكل المقاييس، بالنظر إلى عدد المشاركين فيها الذي وصل إلى 46 ألف مشارك من مختلف دول العالم وهذا لم تشهده أي من الندوات السابقة حول المناخ، على حد تعبيره.
السفير جغلاف، ذكر خلال مداخلته بأهم المظاهر التي خلّفتها التغيرات المناخية، مؤكدا أن هذا الأخير بات يهدد حياة 16 مليون شخص في العالم سنويا وهذا لعدة أسباب، منها ارتفاع مستويات المسطحات المائية التي أصبحت تهدد الشريط الساحلي للكثير من الدول ومنها الجزائر، التي قال إنها تواجه، بالإضافة إلى ذلك، ظاهرة التصحر وبهذا ستجد نفسها مهددة بزحف المياه من الشمال والرمال من الجنوب.
كما يقف التلوث في الجزائر وراء 40 من المائة من حالات السرطان، ومما ساهم في هذا الوضع هو فقدان الغطاء النباتي والمساحات الخضراء – التي اعتبرها جغلاف مصفاة طبيعية للهواء الذي نتنفسه – ويكفي أن ولاية الجزائر فقدت أكثر من 10 آلاف هكتار من الأراضي الفلاحية والمساحات النباتية التهمها الأسمنت المسلح.
وفي سياق مظاهر هذه التغيرات المناخية العالمية دائما، أضاف المحاضر خلال هذه المائدة المستديرة، أن العالم سيعرف جيلا جديدا من اللجوء وهم لاجئو المناخ، حيث ستسبّب هذه التغيرات انتقال أمواج بشرية هائلة نحو مناطق آمنة مناخيا تكون بعيدة عن الفيضانات والكوارث الطبيعية الأخرى.
أما عن الحياة في البحار والمحيطات، فقد اعتبر السفير المستشار أحمد جغلاف، أن زيادة نسبة حموضة مياه هذه المسطحات المائية ستقضي على حياة الكثير من الكائنات البحرية.
وبالعودة إلى اتفاقية باريس حول التغيرات المناخية، اعتبر جغلاف أنها اتفاقية كونية حقيقية، داعيا في هذا الصدد إلى التأكيد على مصطلح اتفاقية وليس بروتوكول، ما يعني أنها ملزمة للجميع وأن هناك الكثير من القرارات المهمة خرجت بها ندوة باريس، أبرزها تنظيم منتدى للمناخ سيكون شبيها بمنتدى “دافوس” ستحتضنه إحدى ولايات الجنوب الجزائري لاحقا.
وفي رده على سؤال “الشعب” حول الانتقال الطاقوي في الجزائر، اعتبر جغلاف أنه لاخيار آخر أمام الجزائر إلا الإسراع في هذا المسار، مؤكدا أنها تمتلك من البدائل ما يؤهلها لكي تكون رائدة في الطاقات المتجددة في القارة الإفريقية كلها.
من ناحيته وفي ختام هذه المائدة المستديرة، التي عرفت مشاركة ممثلي مختلف القطاعات الوزارية، الجامعات والمعاهد، اعتبر مدير المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة الدكتور إلياس بوكراع، أن النقاشات حول التغيرات المناخية لا يجب أن تبقى على مستوى النخب والمؤسسات ولكن يجب أن تضم كل مكونات المجتمع وعندها يمكن لهذا المسار النجاح.



