زيارة بان كيمون أملتها الضغوط الدولية لتقرير المصير
ما العمل لدعم القضية الصحراوية في هذا الظرف الخاص المتميز بالتحضيرات المكثفة لزيارة الأمين العام الاممي بان كيمون إلى المنطقة للخروج بقرارات جريئة تطبق اللوائح الأممية حول إجراء استفتاء تقرير المصير. وهو إجراء التزم به الاحتلال المغربي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، بقبول اتفاق يمهد الأرضية لهذا الخيار الوطني الذي يبعد المنطقة عن خطر الاضطراب والاهتزاز ويكرس الاستقرار غايات الجميع؟
كيف السبيل لشحن المزيد من الإرادات والقِوى لمناصرة القضية الصحراوية التي تتفق كل القوانين والأعراف على أنها قضية تصفية استعمار لابد من تسويتها في هذا الإطار، مثلما جرى الحال في تيمور الشرقية وغيرها من الأقاليم، بعيداً عن الانتقائية وسياسة المكيالين التي تفرضها مصالح القوى الكبرى ونفوذها؟
أسئلة كثيرة طرحت في ندوة نقاش بمنتدى «الشعب» في ذكرى أربعينية تأسيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. وهي ندوة أعادت الحضور إلى بداية الكفاح المسلح الصحراوي والمعارك الدبلوماسية التي رافقته لكسر التعتيم السياسي – الإعلامي المغربي وإظهار القضية الصحراوية على أنها تصفية استعمار وليس الصورة النمطية التي يحاول الاحتلال ترسيخها خطّا لدى الرأي العام بتواطؤ قوى تسانده في مقدمتها فرنسا.
وقال د.بابا مصطفى السيد، شقيق القائد التاريخي الشهيد مصطفى الوالي، إن فرنسا من أكبر القوى المؤيّدة للاحتلال المغربي، المساندة له في التنكر للوائح الشرعية الدولية في كل الظروف.
وذكر الدكتور مصطفى السيّد، الأستاذ بجامعة الجزائر3، أن موقف فرنسا هذا ليس وليد الظرف الراهن، لكن له امتداد في التاريخ البعيد، حيث اجتمع قناصلها الثلاثة الممثلون للإدارة الاستعمارية في المغرب، الجزائر وتونس في بداية ثلاثينيات القرن 19 والاتفاق على نقطة واحدة: كيف يواجه خطر المد الثوري بالصحراء الغربية على أقاليم المستعمرات الفرنسية في المنطقة، لاسيما بالحدود الجنوبية الغربية.
وردّا على ما أسموه بالتهديد الثوري الآتي من الصحراء الغربية، تقرر تكوين قوات مغربية مجنّدة من عناصر مسلحة بالجنوب المغربي تمتطي الجمال. كما تقرر جعل تندوف قاعدة عسكرية متقدمة إلى جانب زويرات، ونواديبو بالنسبة لموريتانيا وطنطان وترفايا بالنسبة للمغرب وهذا لوضع سياج حربي يؤمِّن المستعمَرة الفرنسية من أيّ خطر.
ولم يتوقف الأمر عند هذه النقطة، بحسب الدكتور بابا مصطفى السيد، بل أدى بفرنسا الاستعمارية، التي خسرت الكثير من مقاتليها في المواجهة المفتوحة مع الصحراويين، إلى حد القيام بعملية عسكرية شاملة مع السلطات الإسبانية المحتلة للصحراء الغربية تحت تسمية «إيكوفيان»، بغرض إجهاض المقاومة الصحراوية التي لم تتوقف يوما عن مواجهة قوى الاحتلال.
المغرب، السائر على هذا الدرب، يكرر أخطاء القوتين الاستعماريتين السابقتين ويجري وراء الوهم والسراب. لأن الصحراويين أقسموا أنهم لن يتنازلوا عن أرضهم التي ارتوت بدماء غزيرة لشهداء الوطن والحرية.
المغرب الذي لم يحفظ الدرس ويفهم صيرورة التاريخ ومسار قوى التحرر عبر المعمورة، يتعمّد السير عكس التيار. فهو إذن، من هذا المنطق، يشنّ حملة استعمارية بالوكالة في الصحراء الغربية التي تتفق كل قوانين العالم والأعراف على أن القضية تصفية استعمار.
وحده المغرب يتنكر لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره ويتمادى في الترويج للمغالطات والأكاذيب حول احتلاله للمنطقة تماما مثلما فعلته فرنسا في تعاملها مع القضية الجزائرية.
من هذه الزاوية، يفهم لماذا يحاول المغرب عرقلة زيارة بان كيمون إلى المنطقة وتأكيده الصريح على ضرورة التسوية الحقيقية للنزاع بين الطرفين الرباط والبوليساريو.
من هذه الزاوية، تقرأ رؤية المغرب في المناورة وتمديد ليل الاحتلال، بإملاء شروط على زيارة بان كيمون المدرجة في إطار الجهود الأممية لحل النزاع. وتناسى المغرب أن هذه الزيارة التي تعاكس توجّهاته وحساباته، لم تُملها أجندة اعتيادية، بل نتيجة عمل دؤوب وضغط دولي من أكبر المنظمات الدولية والجمعيات الحقوقية، في مقدمتها الاتحاد الإفريقي، الذي جعل عام 2016 سنة الصحراء الغربية، وطالب من الأمم المتحدة تحديد تاريخ إجراء استفتاء تقرير المصير. والاتحاد الأوروبي الذي يأخذ في الاعتبار ما قرّرته محكمته بضرورة إنهاء الاتفاق الفلاحي مع المحتل المغربي، في انتظار تمديده إلى اتفاق الصيد البحري. وهي قرارات شكلت انتصارا دبلوماسيا للقضية الصحراوية، زادتها متانة تخلي الكثير من الشركات النرويجية والسويدية والفرنسية والكندية عن استغلال الثروات الصحراوية واعتبار عمل من يتجاهل هذا الأمر جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية لا يمكن إغماض الأعين عنها إلى يوم الدين.



