شكّل النظام القضائي الثوري المنشأ من العدم، سلاحا متناغما مع وسائل الكفاح الأخرى التي طورها كل من جبهة التحرير وجيش التحرير الوطنيين، خلال سبعة سنوات ونصف من الحرب، كما ساهم القضاء الثوري الفعال والحيادي والعادل في تدعيم الكفاح المسلح في الحد من مصداقية النظام القضائي الاستعماري، هذا ما أكده المجاهد صالح رحماني في مقاله بمجلة أول نوفمبر في عددها 180، بعنوان «القضاء الثوري كسلاح استيراتيجي أثناء حرب التحرير الوطني – الولاية الثانية التاريخية – نموذجا».
أبرز المجاهد رحماني أهمية القضاء إبان حرب التحرير الوطني في تسوية مختلف النزاعات، واستنادا للشريعة الإسلامية، حيث طبق القضاء الثوري بين الجزائريين المقيمين بتونس والمغرب وليس فقط في الجزائر، وكذا بين العمال في فرنسا (فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا)، وهكذا تمّت مقاطعة القضاء الاستعماري في الجزائر وحتى في فرنسا، مشيرا إلى أن الجزائريين أدركوا أن القضاء الذي تمارسه ثورتهم هو الذي يعنيهم، مما يتطلب احترامه وتقويته.
وأضاف رحماني، أن القضاء الثوري ساهم في إنماء حسّ التضامن الوطني بين الجزائريين، وفي تمتين الوحدة الوطنية، ومنع الانتقام، حيث استمد القضاء الثوري شرعيته طوال حرب التحرير من شرعية الثورة مرتكزا على مصداقيتها وعلى السلطة الأدبية التي يتمتع بها المجاهدون.
وأوضح في هذا الشأن، أن هدف القضاء أثناء الثورة هو التأسيس لعدالة ثورية في إطار استيراتيجية شاملة لوسائل الكفاح والمقاومة من أجل تدمير النظام الاستعماري، رفع مكانة الجزائريين وجعلهم ذوي حقوق، إنصاف المظلومين ورد الحقوق لأصحابها ومعاقبة المعتدين، بسط قيم العدل والحق والتسامح بين الجزائريين، إحياء التراث الفقهي والقضائي لأجدادنا، ونشر ثقافة الصلح والتراضي بين الإخوة والرجوع إلى الحق، تحرير الإنسان ورفع ظلم الاستعمار، وتعويض المحاكم الاستعمارية بنظام قضائي عادل وثوري يحمي الناس بعضهم من بعض ويحمي الثورة من كل خطر.
وحسب الكاتب، فإن تنظيم ومهام القضاء الثوري، قسم إلى قضاء عسكري بمجالس عسكرية يشرف عليها ضباط من جيش التحرير الوطني على مستوى القسم والناحية والمنطقة والولاية، اختصاص إقليمي باستثناء القضايا الكبرى أو الشائكة التي تتطلّب مشورة وتزكية القيادة العليا، مع اختصاص في احترام قوانين الثورة وتطبيقها، المنازعات والخلافات بين المجاهدين أو بين المسبلين، الخلافات بين أفراد من جيش التحرير الوطني أو جبهة التحرير الوطني ومدنيين، مشيرا إلى أنه لا يوجد أمكنة مخصصة للقضاء يحضرها الناس للمحاكمة وهذا راجع لأسباب أمنية.
أما المحاكم العسكرية فهي غير دائمة وتتشكّل بسرعة عند الضرورة، وحسب طبيعة وخطورة القضايا المعروضة عليها للبث فيها، في حين يجري القضاء المدني عبر تنظيم المجالس الشرعية على مستوى «الدوار» المجلس الخماسي وأعضائه هم مساعدي المجلس الشرعي، وعلى مستوى القسمة والناحية يتألف المجلس الشرعي من رئيس وأعضاء مساعدين له، قد يكونون اثنان أو ثلاثة أعضاء حسب تواجد العناصر ذات الكفاءة لهذه المهمّة.
وقد اختص المجال المدني في الأحوال الشخصية، الخصومات والنزاعات حول الممتلكات، والتجارة وفي المجال الجزائي حول الضرب المبرح، الاعتداء على الأشخاص والممتلكات وفي الجنائي حول الخيانة، السرقات، الاعتداء على الحرمات والأفعال المخلة بالأخلاق، وـ حسب المجاهد ـ فإن مصادر التشريعات متعدّدة ومستمدة من الشريعة الإسلامية مع الاعتماد على مرجع فقهي على الطريقة المالكية وهو «مختصر الفقه للشيخ خليل» ومن قوانين قيادة الثورة، بعضها مقنّن ومكتوب لاسيما في المجال الجزائي والجنائي وتزكية القيادة العليا للثورة في المسائل الجزائية والجنائية.
ولاية القضاء تسند للرجال المخلصين للثورة والملمين بالقضاء الإسلامي
ومن الإجراءات المعتمدة رفع الدعاوي أمام مسؤول الأمن بالدوار، مع تزكية القيادة العليا في المنطقة أو الولاية فيما يخص القتل العمدي أو الخطأ، بينما المسائل التي لا يجد لها مجلس الدوار الحلول تعرض على المجلس الشرعي للفصل فيها، ويمكن لمجلس الدوار ومساعديه الفصل في القضايا المدنية والأحوال الشخصية.
وأوضح صاحب المقال في هذا الإطار، أن ولاية القضاء تسند للرجال الذين تتوفر فيهم مواصفات الإخلاص للثورة والحسّ بالمسؤولية، الدراية بميدان الفتوى والقضاء الإسلامي، الشجاعة والحزم والحسم، التجرد والنزاهة والإنصاف، الاستقامة الخلقية، فهم المأمور والإلمام بأحوال الناس ومشاكل المواطنين أثناء حرب مدمرة، ومن مميزات أحكام القضاء الحكم باسم الثورة والنظام مع إلزامية التنفيذ الفوري، علانية الجلسات والنطق بالحكم، سرية المداولات، عقوبات مالية أو تعزيز عقوبة الجلد، المرونة والصرامة في أن واحد، ويمكن الطعن في الأحكام لاسيما في القضايا المدنية والأحوال الشخصية.
غير أن القضاء الثوري لم يخلو من نقائص في مجال القضاء العسكري والمدني، – قال رحماني- منها غياب سلك قضائي كلاسيكي كما هو معروف اليوم بالسجون لحبس المحكوم عليهم، ولا على قضاة التحقيق والنيابة، لكنها لم تكن مقصودة هدفها حماية الثورة والصالح العام، علما أن الأخطاء التي ارتكبت في مجال القضاء المدني كانت ضئيلة جدا.
وبعد الاستقلال وفي إطار امتداد الدولة الثورية، أصدرت أول حكومة جزائرية مستقلة مراسيم رئاسية وقرارات تنظيمية تتعلق بتنفيذ قرارات المجالس القضائية للثورة، وتلك المتعلقة بالحالة المدنية التي صدرت سواء داخل البلاد أو في تونس والمغرب، وفقا للمرسوم رقم 62 – 153 المؤرخ في 31 ديسمبر 1962، المتعلق بتنفيذ قرارات المجلس القضائية للثورة، والمرسوم 62 – 126 المؤرخ في 13 ديسمبر 1962 المتعلق بالحالة.
المدنية.





