تعرضت الجزائر، خلال الأيام القليلة الماضية لحملة عدائية استهدفت رموزها ومؤسساتها، وما يشبه مساومات على مواقفها الثابتة في سياستها الخارجية، تجاه القضايا الدولية، حركتها الدوافع والأطماع الاقتصادية والمصالح الضيقة التي تخدم طرفا وتدمر آخر.
منذ مطلع شهر مارس الماضي، وبالضبط منذ زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لمخيمات اللاجئين الصحراويين والأراضي المحررة، وجهره بتعاطفه المطلق مع الشعب الصحراوي وحقه في تقرير مصيره، باتت الجزائر هدفا معلنا وخفيا لدول تحسب في خانة الشقيقة والصديقة.
وقبل ذلك، لم يعجب إصرار الحكومة الجزائرية على تنويع شركائها الاقتصاديين الدوليين، وعدم مفاضلة دولة على أخرى لاعتبارات معينة في منح الصفقات الاقتصادية، ممارسة بذلك سيادتها المطلق على القرار الاقتصادي والسياسي، أصبحت محل هجمة ممنهجة ضد رموزها ومؤسساتها.
لقد اتخذت بعض الدول، ثبات الجزائر على مبادئها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتفضيلها للطرق السلمية في حل النزاع، ذريعة لمحاولات فاشلة للي ذراعها عبر ورقة النفط وإفشال اجتماعات منظمة الأوبك التي كانت في الغالب مركز تغيير واقع السوق وإنعاش الأسعار.
ونسيت تلك البلدان أو تناست، أن ما تعتبره اليوم « إرهابا»، يهدد أمن واستقرار المنطقة، سبق للجزائر، أن ذاقت مرارته لوحدها طيلة عشرية كاملة، وواجهته بجيشها وصمود شعبها، دون أن تنال حتى التعاطف الدولي، بل واتخذت موجة التطرف العنيف المدعوم من جهات خارجية، مبررا للتعامل مع الجزائريين في المطارات بمعاملة خاصة.
إن الدول التي تحاول منذ أشهر بناء « تحالف إسلامي» لمواجهة الإرهاب، لم تتحرك لآلام الجزائر، بل رأت الظاهرة الإرهابية بعين الولايات المتحدة الأمريكية التي فهمت جيدا معاناة الجزائريين حينما شاهد العالم بأسره برجي مانهاتن بنيويورك، يهويان إلى الأرض الطابق تلو الآخر.
ويخطأ من يعتقد بأن الجزائر حاليا في موقف ضعيف، أمام الخرجات الأخيرة لبعض البلدان الأعضاء في جامعة الدول العربية، لأنها دائما ما حافظت على سيادة قرارها من جهة وعلى مبدأ التشاور والنقاش داخل قبة الجامعة من جهة أخرى، رافضة الديكتاتورية التي يريد فرضها بعض الأعضاء منذ 05 سنوات.
وأثبتت الأيام قصر نظر هؤلاء وافتقادهم للبصيرة والتبصر في معالجة هموم العرب، لأن مقاربتهم واحدة تقوم على استخدام والانحياز إلى جهة على حساب أخرى، بينما تبني الجزائر مواقفها على الحوار السلمي الذي يجنح إليه الجميع طال الزمن أم قصر.
ثم، لماذا تعتقد هذه الأطراف، أن الانحياز للاستعمار المغربي في قضية الصحراء الغربية، هو ضربة للدبلوماسية الجزائرية؟، إن هذه الأخيرة، دائما ما شددت على أنها ليست طرفا في النزاع، وترى فيه مثلما يرى المجتمع الدولي والشرعية الدولي على أنه بيد الأمم المتحدة، وإلى ذلك، يقف الاتحاد الإفريقي كله وراء ملف الصحراء الغربية، و يزداد الدعم الدولي لهذه القضية العادلة.
ومن الخطأ الجسيم للدبلوماسيات المتهورة، الاعتقاد بأن الجزائر دولة يمكن لي ذراعها بملف ما، أو إخضاعها بمساومات اقتصادية، لأنها بلد المبادئ الراسخة التي لا تباع ولا تشترى.
في المقابل، يمكن اعتبار التراشق الحاصل بين ممثلي الطبقات السياسية في الجزائر، واهتمامهم بصغريات القضايا الداخلية على حساب صورة البلاد ومكانتها في الخارج، عاملا يشجع بعض الأعداء للمرور إلى السرعة القصوى لاستهدافها، ما يستدعي رصّ الجبهة الداخلية وتوحيدها ليس بالشعارات أو المهرجانات ولكن بالعقلانية والعمل.



