تمر اليوم 12 سنة على استفتاء المصالحة الوطنية، حيث صوت أكثر من 98٪ من الجزائريين بنعم على تطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، وأكد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة آنذاك في حملته الانتخابية التي جاب من خلالها مختلف ربوع الوطن «..أن المصالحة الوطنية جرعة قوية في مسار استتباب السلم والأمن للجزائر والقضاء نهائيا على جذور الفتنة». تسترجع الجزائر الذكرى التي سمحت بالتخلص بنسبة كبيرة من آثار العشرية السوداء التي خلفت 250 ألف قتيل و25 مليار دولار خسائر مادية، وآلاف المفقودين، وباتت المصالحة الوطنية ذكرى عزيزة على الجزائريين الذين تمكنوا بفضلها من اجتياز أخطر المنعرجات في تاريخ الجزائر الحديث، وباتت المصالحة الوطنية مرجعا إقليميا وعالميا لحل الأزمات الداخلية للدول وعبرت مالي وسوريا وليبيا عن إعجابها بالمصالحة الوطنية الجزائرية التي دخلت العالمية.
وركزت المصالحة الوطنية في الجزائر التي اعتمدها رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة لاستتباب السلم والاستقرار والطمأنينة على إرفاق المعالجة الأمنية والاجتماعية لآفة الإرهاب ببرامج تنموية ساهمت في تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية وضمان الرفاهية للمواطنين حيث فاقت استثمارات الدولة في أكثر من 18 سنة 800 مليار دولار وهو ما جعل الجزائر تستدرك كثيرا التأخر في مجال التنمية وغلق جميع المنافذ على الجماعات الدموية للاستثمار في الظروف المعيشية الصعبة للمواطنين وإقناعهم بتبني أفكار متطرفة. وتعتبر الجزائر من الدول الجريئة في تبني خيار المصالحة الوطنية في مجال مكافحة التطرف العنيف رغم تشكيك الكثيرين في قدرة تلك المبادرة على لم شمل الجزائريين وتعزيز الممارسة الديمقراطية وتحسين أوضاع حقوق الانسان والتفرغ للتنمية وتجديد التشريعات والانتقال من مرحلة الخوف إلى مرحلة الاطمئنان. وقد أرفقت السلطات ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي صدر في مارس 2006 في 47 مادة العديد من الإجراءات التي منحت قيمة مضافة للسلم الاجتماعي والمتمثلة أساسا في ترقية الديمقراطية التشاركية لمكافحة التطرف العنيف والإرهاب مع توسيع الحريات مثل ضمان حق التعبير والعمل السلمي لكافة الحساسيات السياسية والاجتماعية. إن عمليتي تيارت وقسنطينة كشفتا عن محاولة المتآمرين النفخ في رماد المأساة الوطنية واستغلال المناسبات الوطنية والدينية لجلب الانتباه الإعلامي والتأكيد على أن العمليتين تعتبران امتدادا لما يحدث في عديد العواصم الأوروبية وفي سياق مدروس جدا يجب أن نتوخى الحذر منه.
إن التطورات التي تشهدها المنطقة العربية والمتوسطية والإفريقية، تجعلنا في عين الإعصار ولا بديل عن تكاتف الجهود وتجاوز الصراعات الضيقة والحفاظ على وحدة الشعب والوحدة الوطنية هي أساس الاستمرار مستقبلا.
ويبقى على الإعلام الجزائري مراجعة توجهاته من خلال تفادي زرع القلاقل ونشر التصريحات التي تدعو للعنف والجهوية ومختلف الفتن حتى نحمي الشعب الجزائري من السلبية ونبعد عنه الضغينة والأحقاد التي قد تكلفنا غاليا مستقبلا.
التحديات الجديدة تفرض تطوير الكفاءات لمواجهة الإرهاب العالمي
تفطنت الجزائر للإرهاب الذي بات يأخذ شكل الزئبق حيث يتلون ويتغير مع تطور وسائل مكافحته وهو ما يجعل كل القوى الحية في بلادنا مطالبة بالانخراط إيجابا للإبقاء على أعلى مستويات اليقظة والحذر لدعم مجهودات الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن المشتركة التي أظهرت قدرات كبيرة في التصدي لكل محاولات الاختراق عبر الحدود وكذا العمق الجزائري باحترافية منقطعة النظير.
وتشدد القيادة العسكرية في الجزائر على ضرورة الإبقاء على أعلى مستويات الحذر واليقظة من خلال الأخذ بعين الاعتبار كل التحولات الإقليمية والعالمية في ملف «الإرهاب العالمي»، مع ضرورة القيام بخطوات استباقية على مختلف المستويات تطبيقا لمبدأ أحسن دفاع هو الهجوم مع التشديد على محاصرة الجريمة المنظمة التي تعتبر أكبر مصادر تمويل الجماعات الإرهابية وخاصة المخدرات والسلاح.
كما تعمل الجزائر على دراسة المتغيرات الجيوسياسية فقرار الولايات المتحدة الأمريكية إعادة نشر قواتها العسكرية في أفغانستان يثير الكثير من التساؤلات خاصة وأنه تزامن مع الزحف العسكري الروسي في الشرق الأوسط، وقرب نهاية تنظيم «داعش» في سوريا والعراق وهو الذي تبين أنه جرثومة مخبرية كان الهدف منها تقسيم العراق، وتحضير هذا الملف باستقلال كردستان وبين أن اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية كانت وراء إنشاء هذا الفيروس وباعتراف دونالد ترامب في حملته الانتخابية.
كما أن القرار الأمريكي تزامن وعودة إيران لتجاربها البالستية، وارتفاع بوادر تراجع الاتفاق مع إيران ومنه إمكانية حدوث تغييرات جذرية في الشرق الأوسط، وفك شيفرات المجموعات الإرهابية التي أظهرت ولاءها معلنا للولايات المتحدة الأمريكية وحتى إسرائيل التي حاولت في الكثير من المرات مساعدة تلك التنظيمات الإرهابية بفك الخناق عنها وهو ما تفطن له الروس الذين هددوا بالرد على كل اختراق للأراضي السورية. وعليه فملف الإرهاب الذي تتهرب منه العديد من القوى الغربية بالنظر لضلوعها فيه بطريق غير مباشرة من خلال خلق سيناريوهات إضعاف الدول داخليا من خلال جرها لحرب ضد إرهاب أعمى يأتي على مخططات التنمية ومن جهة أخرى تفرض دوائر المتاجرة بالأسلحة على الدول رفع ميزانيات التسلح وفرض خناق على مختلف الجبهات خاصة الاجتماعية ومنه استغلال هشاشة الأوضاع الاجتماعية لتأليب الشعوب على أنظمتها.



