ينبغي إنصاف هذه الشخصية بالمطالعة والرجوع إلى الأكاديمية العلمية
بالرغم من التضحيات التي قدمها الأمير عبد القادر، إلا أنه، وللأسف، هناك بعض الطلبة والباحثين الذين يتهمونه بالخيانة، مستندين في ذلك إلى كتابات المدرسة الإستعمارية وبعض الغلاة، دافعهم في ذلك تشويه صورة الأمير، الذي حقق انتصارات باهرة في مقاومته ضد الإحتلال الفرنسي، وتغطية فشل وغباء الفرنسيين في معاملة الجزائريين والانحرافات التي سجلتها قيادات سياسية آنذاك في إدارة الصراع الحضاري بين المسلمين والمسيحيين، وكذا تواطؤ بعض الدول العربية، منها المغرب التي تراجعت وتواطأت مع إسبانيا، هذا ما أوضحه أستاذ مادة التاريخ بشير حمايدي بجامعة معسكر في تصريح لـ «الشعب» بمناسبة ذكرى مبايعة الأمير.
نفى الأستاذ الجامعي اتهام الأمير عبد القادر بالخيانة والاستسلام، مثلما تروجه بعض الأوساط الحاقدة على هذه الشخصية، كيف لا وهو قد هزمها في عدة معارك شر هزيمة ولعب دورا في إدارة الصراع الحضاري بين المسلمين والمسيحيين بكل حكمة وتبصر، قائلا إن هذا الاتهام جائر وغير منطقي، بحكم أن هذه الأطروحة يغذيها من كانت له مساوئ في تلك الحقبة، وأطراف تحاول كسر شوكة الجزائر التي سجل تاريخها العديد من البطولات ولا تزال، مطالبا بمراقبة الكتابات التاريخية التي تدون بشأن هذه الشخصية والرجوع إلى الأكاديمية العلمية من خلال تتبع الأحداث ومسار الأمير، مؤكدا أن هذا الأخير هو رمز الرفض التام للوجود الفرنسي وهو ما أزعج الاحتلال وعملائه.
في هذا الصدد، أوضح حمايدي أنه فيما يخص أعمال والصراع الحضاري آنذاك، تم إغواء بعض عناصر المقاومة والشخصيات الفاعلة نتيجة منشورات الاستعمار الفرنسي الذي بثها وسطهم لخلق الفتنة، مع الحصار الذي فرض على الدول العربية بعدم مساعدة الأمير والصراع الداخلي الذي غذاه الاحتلال وانتصارات الأمير عبد القادر جعلت الذين ناصروا الفكر الفرنسي يدعمون هذا الطرح، مشيرا إلى أن الفرنسيين اعترفوا في كتاباتهم أنهم ارتكبوا أخطاء في حق هذه الشخصية التي لو تركوها لاستطاعت توجيه الصراع الحضاري، منهم الجنرال بيجو الذي صرح في كتاباته بعدم بصيرته بقدرة الأمير وأنه لو تواجدت قوة الأمير بالوسط لعرفت هزيمة نكراء.
موازاة مع ذلك، أكد الأستاذ الجامعي أن الاتهامات الباطلة ضد الأمير عبد القادر مردها تغطية فشل وغباء الفرنسيين في معاملة الجزائريين، وتواطؤ بعض الدول العربية للقضاء عليه خاصة الدولة العثمانية التي كانت تعرف تقهقرا، وكذا تغطية الانحرافات التي سجلها قيادات سياسية آنذاك اتجاه صراع المسلمين والمسيحيين، وتغطية الفشل الذريع الذي فرفته فرنسا، متأسفا أن بعض المثقفين المفرنسين سقطوا في هذا الخطأ دون تمحص، وذهبوا إلى تقارير الكتابات العربية على أساس أن الاحتلال صادر كل المراجع، في حين أن عامل الحرب آنذاك لم يسمح بالتدوين بل كانت ترجمة اليهود واسبانيا واعتماد فرنسا على كتابات أحمد بوضربة، حمدان خوجة الذي يعكس الصراع الفكري بين الجزائريين.
في هذا الشأن، دعا حمايدي إلى ضرورة إعادة القراءة لإظهار بصيرة الأمير القائمة على الفتوى من بينها مخطوط يوجد حاليا باليابان وهو قيد الدراسة، وإنصاف هذه الشخصية عبر المطالعة والمقارنة بين كل الكتابات التي دونت في هذا المجال، دراسة القوة القبلية التي كانت قائمة وتراجع المغرب وتواطئه مع إسبانيا وفرنسا، منع فرنسا توحيد المقاومة الشعبية بين أحمد باي بقسنطينة والأمير عبد القادر وخروج القبائل التي كان لها وزن من المعترك السياسي قبل انقضاء جهاد الأمير. مع الرجوع إلى المصادر التي هربت ولم تسترجع، علما أن الاحتلال أحرق 60 ألف كتاب خاص بالجزائر في خمسينيات القرن الماضي.


