آليات مبتكرة للتحكّـم في النفقـات دون المســاس بالدعـــم
ترشيــد الواردات التي عرفــت في فـــترات سابقــة «هلوسـة» وفوضى
مواصلة التصدّي بصرامة لـ «الطفيليين» الذين يستهدفون امتيازات الشعب
«لن نوقف المساعدة الاجتماعية الموجّهة للمواطن البسيط، فهي من حقه.. ولن يسجّل علينا التاريخ أننا أوقفنا دعم المواطن البسيط»، عبارة حملت رسائل التجديد والتأكيد والتطمين، وجّهها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، إلى الشعب الجزائري في خطابه الأخير.
جدّد الرّئيس تبون تمسّكه بالاستمرار في الحفاظ على مكاسب الدولة الاجتماعية، باعتبارها خيارا سياسيا واقتصاديا يعكس حرصه على إرساء العدالة الاجتماعية، وحماية الفئات الهشّة، وضمان حدّ أدنى من العيش الكريم للمواطن، بالتوازي مع انتهاج إصلاحات اقتصادية تقوم على الحفاظ على مداخيل البلاد ورفعها لتأمين النفقات وتشجيع المنتوج المحلي، حفاظا على السّيادة الاقتصادية والوطنية.
في خطاباته المتعدّدة، يشدّد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، على أنّ الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة ليس مجرّد شعار سياسي، بل التزام فعلي تترجمه السياسات والإصلاحات التي باشرتها الجزائر منذ عدة سنوات، من خلال دعم واسع للمواد الأساسية، وضمان مجانية التعليم والعلاج، وتوفير السكن، وتسعير خدمات الماء والكهرباء والغاز بأسعار مدعمة، حيث تعتبر هذه المكاسب حقوقا راسخة للمواطن الجزائري وليست امتيازات ظرفية، واضعا إياها ضمن أولويات الدولة وفي صلب اهتماماتها.
رفع المداخيل.. واستدامة الدولة الاجتماعية
في مقابل هذا الالتزام بالحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، أكّد رئيس الجمهورية، في خطابه للأمة أمام البرلمان بغرفتيه، على حتمية رفع مداخيل البلاد، باعتبار أنّ استمرارية النفقات العمومية والدعم الموجّه للمواطنين تتطلّب اقتصادا قويا ومتنوعا، وهو ما جعله، منذ توليه سدة الحكم، يعمل على ترشيد الواردات التي عرفت في فترات سابقة «هلوسة»، كما وصفها، إلى جانب تشجيع الصادرات والمنتوج المحلي، عبر خلق الثروة، وتحسين الموارد المالية، وتوسيع القاعدة الاقتصادية.
وربط رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة بين دعم الإنتاج الوطني والحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، معتبرا أنّ تشجيع الإنتاج المحلي ليس خيارا اقتصاديا فقط، بل ضرورة اجتماعية، إذ يساهم كل منتج محلي يعوض الاستيراد في تقليص فاتورة الواردات، والتخفيف من الضغط على الخزينة العمومية، وخلق مناصب الشغل، وتعزيز القدرة على تمويل الدعم. وتقوم السياسة المعتمدة على بعث الصناعة بعد سنوات من «التصحّر»، بهدف بناء اقتصاد قادر على تمويل النموذج الاجتماعي وضمان استمراريته بعيدا عن الحلول الترقيعية.
وفي هذا السياق، تراهن الجزائر على تنويع مصادر الدخل الوطني، حيث شدّد الرئيس على ضرورة الانتقال من اقتصاد ريعي هشّ مرتبط بتقلبات أسعار المحروقات، إلى اقتصاد منتج قائم على الاستثمار، والصناعة، والفلاحة، والمؤسّسات الناشئة، وتثمين الموارد المنجمية، إلى جانب ترقية الصادرات خارج المحروقات، وهو ما تجسّد ميدانيا ببلوغ عدد المؤسسات الناشئة أكثر من 13 ألف مؤسّسة، مع طموح لرفعها إلى 20 ألفا خلال السنوات الأربع المقبلة.
تمويل النموذج الاجتماعي
لا تهدف سياسة دعم الإنتاج الوطني إلى تقليص فاتورة الاستيراد فقط، بل إلى بناء اقتصاد منتج قادر على تمويل النموذج الاجتماعي للدولة وضمان استدامته، مع رفع المداخيل من العملة الصعبة للحفاظ على التوازنات المالية. كما أنّ عقلنة الإنفاق لا تعني المساس بالدعم، وإنما توجيهه بفعالية أكبر، ومحاربة التبذير، والتصدي لمختلف أشكال التحايل التي تستنزف موارد الدولة.وفي هذا الإطار، أوضح رئيس الجمهورية أمام البرلمان أنّ عقلنة الإنفاق لا تعني أبدا المساس بالدعم الاجتماعي، مؤكّدا حماية القدرة الشرائية من خلال رفع الأجور والمنح والعلاوات، مع محاربة التحايل وتوجيه الموارد نحو مستحقيها الحقيقيّين، مشدّدا على أنّ الدولة تتصدى يوميا لما وصفهم بـ»الطفيليّين» الذين يستهدفون امتيازات الشعب، وأنّ الدعم سيبقى قائما ولن تتراجع الدولة عن حماية المواطن البسيط.
القدرة الشرائية في قلب الإصلاحات
أكّد رئيس الجمهورية أنّ القدرة الشرائية لا تقاس فقط بالأجور، بل بمنظومة دعم شاملة تشمل المواد الغذائية الأساسية، والماء، والكهرباء، والسكن، ومجانية التعليم والصحة، معتبرا أنّ هذه المنظومة تشكّل جوهر الدولة الاجتماعية وتضمن الحد الأدنى من العيش الكريم.
وفي هذا السياق، أشار إلى أنّ الدولة تعمل على حماية القدرة الشرائية في حدّها الأدنى، رغم الظرف الاقتصادي الدولي الصعب، حيث أنجزت الجزائر منذ بداية العهدة الأولى مليون و700 ألف سكن، إلى جانب ضمان مجانية التعليم والعلاج، وارتفاع متوسّط العمر بفضل القضاء على العديد من الأمراض، في مؤشّرات تعكس التزام الدولة بحماية صحة المواطن وكرامته.
ويؤكّد الرئيس تبون، من خلال هذه السياسات، على تسيير دولة قائمة على السّيادة الوطنية في بعدها الاقتصادي، عبر حماية مقدرات البلاد، وفي مقدمتها العملة الصعبة، باعتبارها ركنا من أركان الاستقلال في اتخاذ القرار، حيث رفضت الجزائر اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، مقابل اعتماد ترشيد النفقات وتعزيز الإنتاج الوطني، وإيقاف «هلوسة» الاستيراد. فالدين الخارجي يمسّ بالقرار السّيادي، بينما يشكّل دعم المنتوج المحلي خطّ الدفاع الأول عن السّيادة المالية وحماية الاحتياطات.
وتجسّد هذه الرؤية إصلاحات انتهجها الرّئيس منذ بداية عهدته، حفاظا على القرار الوطني، وتفاديا لتجارب مريرة عاشتها الجزائر في تسعينات القرن الماضي، حين فُرضت عليها شروط قاسية أدخلتها في أزمات عميقة.
وهكذا تتجلّى رؤية رئيس الجمهورية للدولة الاجتماعية كمعادلة متوازنة تجمع بين العدالة الاجتماعية والتطور الاقتصادي، حيث يبقى الحفاظ على الدعم التزاما ثابتا، مشروطا برفع المداخيل، وحماية موارد الخزينة العمومية، وتطوير الاقتصاد الوطني، والتحكّم في النفقات، للانتقال إلى اقتصاد مستدام قائم على الإنتاج وخلق الثروة، مع الحفاظ على جوهر الدولة الاجتماعية كأحد الثوابت الوطنية.





