تثمـين نتائـج البحـوث العلمية وتحويلها إلى سلـع وخدمـات
أبرز تقرير رقابي لمجلس المحاسبة لسنة 2025، أنّ نظام المؤسسات الفرعية التابعة لمراكز البحث العلمي والتكنولوجي، يسير في اتجاه تصاعدي من حيث التنظيم، التجربة، وتنوع الأنشطة، مسجّلا تقدما ملحوظا في عملية إنشاء مراكز البحث لشركات فرعية من أجل تثمين نتائج البحوث العلمية، وتحويلها إلى سلع أو خدمات، غير أنه سجل حاجة هذه المؤسسات إلى تعزيز آليات المرافقة، وتطوير صيغ التمويل والشراكة من أجل أداء دورها المنوط بها في تحويل البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة.
أوضح مجلس المحاسبة في تقريره السنوي 2025، أن القانون القانون رقم 15-21 المتعلق بالبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، أرسى المبادئ الأساسية التي تحكم أنشطة البحث والتثمين، حيث عرف هذا الأخير بأنه كل نشاط يسمح باستخدام أو تسويق نتائج ومعارف ومهارات البحث، كما خوّل الدولة، لا سيما من خلال وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إنشاء هياكل تثمين داخل المؤسسات العمومية للبحث.
وفي هذا السياق، مكّن المرسوم التنفيذي رقم 11-39 مراكز البحث ذات الطابع العلمي والتكنولوجي، بعد مداولة مجالس إداراتها وموافقة الجهات الوصية، من إنشاء شركات فرعية أو المساهمة في شركات اقتصادية، شريطة توافق غرضها مع مجال نشاط المؤسسة الأم، ويتعلق الأمر بإنتاج وتطوير وتسويق السلع أو الخدمات في المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية، وإعداد خطة عمل تبرز الجدوى الاقتصادية للمشروع.
166 براءة اختراع و61 عملية تصنيع
أظهرت بيانات مجلس المحاسبة المجمعة إلى غاية نهاية 2022، امتلاك مراكز البحث قدرة كبيرة في تطوير منتجات علمية وتكنولوجية قابلة للاستغلال الاقتصادي، تجسّدت في تسجيل 166 براءة اختراع، وإنجاز 156 نموذجا أوليا و61 عملية تصنيع، في مجالات استراتيجية على غرار الطاقة المتجددة والتقنيات المتقدمة.
وقد قامت ثمانية مراكز بحث من أصل 19 مركزا في حالة نشاط، إلى غاية نهاية 2023 بإنشاء شركات فرعية، أي بنسبة تفوق 40 بالمائة، وهو ما يعكس ديناميكية متصاعدة، تعزّزت مع تنفيذ برنامج عمل الحكومة 2020-2024.
واعتبر مجلس المحاسبة إنشاء 8 فروع لمراكز البحث العلمي والتكنولوجي، مقبولا بشكل عام من الناحية الكمية، خاصة في ضوء إنشاء عدد كبير من هذه المراكز مؤخرا، حيث تم إنشاء ما يقرب من ثلثها اعتبارا من عام 2018.
وأضاف أنّ المبادرات الرامية إلى إنشاء المؤسسات الفرعية شهدت دفعة جديدة مع تنفيذ برنامج عمل الحكومة للفترة 2020-2024، فبالإضافة إلى إنشاء ثلاث (03) فروع جديدة خلال عام 2023، اعتمدت جميع المؤسسات البحثية الأخرى، ابتداء من عام 2024، قرارات لإنشاء مثل هذه الكيانات.
وبالرغم من هذه الإيجابيات، أبرزت تحريات مجلس المحاسبة أن نشاط أغلب المؤسسات الفرعية، لا يزال يهيمن عليه تقديم الخدمات والاستشارات والتكوين، ومع ذلك، تمثل المنتجات القابلة للتثمين براءات الاختراع والنماذج الأولية إمكانات هائلة يمكن للشركات الفرعية الاستفادة منها في التطوير والاستغلال الصناعيين، ويزداد هذا الأمر أهمية باعتبار أن هذه المنتجات مسجلة ببراءات اختراع في مجالات مهمة مثل الطاقة المتجددة والتقنيات المتقدمة، وقد بدأ الاستغلال الاقتصادي المباشر لنتائج البحث فعليا بداية من سنة 2023، مع إنشاء شركتين فرعيتين (02) مكلفتين بتثمين منتجات البحوث لمؤسسات البحث الأم.
نجاحات ملموسة وآفاق واعدة
سلّط تقرير مجلس المحاسبة الضوء على تجربتين رائدتين اعتمدتهما مؤسستان بحثيتان، والمتمثلة في إنشاء شركتين فرعيتين تهدفان إلى إقامة أنشطة إنتاجية، وهما مركز البحث العلمي والتقني للمناطق القاحلة CRSTRA ومركز البحث للتكنولوجيات الصناعية CRTI.
فيما يتعلق بالمركز العلمي والتقني للبحث المناطق القاحلة (CRSTRA)، نجح في إنشاء شركة فرعية CRSTRA IECE برأس مال قدره 2.8 مليون دج من الموارد الخاصة للمركز المتأتية من خلال نشاطاته الثانوية.
تمّ إعداد القانون الأساسي للشركة الفرعية في فيفري 2024، وتم تعديله في جانفي 2025 لإدراج نشاط جديد يتمثل في إنتاج أعلاف الماشية من مخلفات أشجار النخيل.
ولتنفيذ نشاط الإنتاج والتغلب على القيود التمويلية، اختار المركز الشراكة مع مؤسسة عمومية متخصصة في المجال، وهي الصيغة التي تم تفضيلها بالنظر للمزايا المتعددة المرتبطة بالمنتج الذي يتم استغلاله.
وبالفعل، أكّدت دراسة الجدوى والمسوحات الاجتماعية والاقتصادية أنه بالإضافة إلى البعد البيئي ضمان تنظيف وتطهير بساتين النخيل، فإن هذا المنتج المبتكر (استعادة / إعادة تدوير نفايات بساتين النخيل) يقدم مزايا اجتماعية واقتصادية أكيدة المساهمة في الإنتاج المحلي للحوم، وخلق فرص العمل، وتوليد الثروة والدخل الإضافي للفلاحين.
علاوة على ذلك، فإنّ صيغة شراكة الفرع مع المؤسسة العمومية المذكورة تسمح بالاستفادة من أداة الإنتاج الخاصة بهذه الأخيرة، وشبكة التوزيع الكبيرة المنتشرة في كافة أنحاء التراب الوطني.
وقد طرح المنتج في السوق عام 2025 من قبل وحدة التصنيع الكائنة في القنطرة (ولاية بسكرة)، والمقامة على مساحة 1400 متر مربع، وتبلغ طاقتها الإنتاجية 200 طن يوميا، ومن المقرر أن ترتفع تدريجيا إلى 400 طن يوميا، كما من المتوقع تعزيز قوتها العاملة الحالية المكونة من 11 عاملا بتوفير 27 منصب عمل إضافي في عام 2027، مع توقّع تحقيق أرباح معتبرة ستسمح بإنشاء صناعة زراعية غذائية جديدة خاصة بإنتاج أعلاف الماشية من موارد بديلة منتجات ثانوية ونفايات من القطاع الزراعي والزراعي الغذائي، من ناحية، وستعزّز من جهة أخرى، التثمين الفعال للمنتجات المبتكرة الأخرى الناتجة عن العمل البحثي في مؤسستهم.
فيما يتعلق بمركز أبحاث التكنولوجيات الصناعية (CRTI) في ختام دورته المنعقدة في 24 نوفمبر سنة 2024، وافق مجلس إدارة مركز أبحاث التكنولوجيات الصناعية (CRTI) على قرار إنشاء شركة فرعية في شكل شركة مساهمة SPA برأس مال قدره 05 ملايين دج، يتم إقامتها في موقع منصة تكنولوجيا الأنظمة المدمجة الذكية PFT SEI بوسماعيل بولاية تيبازة.
وتهدف الشركة الفرعية إلى تقديم خدمات التدريب المتعلقة بتشغيل الطائرات المسيرة، بالإضافة إلى تصنيع الطائرات المسيرة المدنية، والتي تصنف أنشطتها ضمن فئة الشركات الصغيرة والمتوسطة، الخدمات المبتكرة والإنتاج.
وبيّنت دراسة الجدوى الخاصة بمشروع تطوير الشركة الفرعية للفترة 2025 -2029 مؤشّرات مشجّعة لإنشاء الشركة الجديدة، وتتضمن خطة التطوير البدء، خلال السنوات الأولى، بأنشطة «التكوين المتعلقة بالطائرات المسيرة؛ على أن يبدأ تصنيعها في بداية عام 2028، وهو ما سيسمح للشركة بخلق قدرة كافية على التمويل الذاتي، بالإضافة إلى توفير بعض الاستثمارات البسيطة اللازمة لتصنيعها دون الحاجة إلى قروض مصرفية.
وأظهرت دراسة الجدوى كذلك أنّ تحليل السوق المحتملة للطائرات المدنية بدون طيار واعدة للغاية، لكنها تخضع لضوابط تنظيمية صارمة.
وتعتزم الشركة الفرعية تركيز استراتيجيتها التجارية على الهيئات العمومية التي تتمتع بميزة واضحة من حيث الاحترافية، وانتظام الطلب، والقدرة على السداد، والأهم من ذلك أهلية استخدام الطائرات بدون طيار.
وفي هذا الصّدد، تعد وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية الأمن الوطني والحماية المدنية ووزارة الفلاحة (المديرية العامة للغابات) الجهات الرئيسية والزبائن الفعليين.
تحديات التّمويل..رهان الشّراكة الاستراتيجية
لمواجهة التحديات المرتبطة بضعف رأس المال الخاص بهذه الفروع، عمدت المؤسسات الفرعية التابعة لمراكز البحث، إلى ابرام شراكات مع مؤسسات عمومية اقتصادية، كما هو الشأن لفرع «CRSTRA»، حيث تسمح هذه الصيغة للفرع البحثي بتقديم «براءة الاختراع» والخبرة التقنية، بينما توفر المؤسسة الشريكة أداة الإنتاج وشبكة التوزيع الوطنية، وهو ما يضمن السرعة في طرح المنتج في السوق وتجاوز قيود التمويل البنكي التقليدي.
وقد أوصى مجلس المحاسبة في تقريره الرقابي السلطات العمومية بتكييف الإطار التنظيمي أو تعديله من أجل تمكين المؤسسات الفرعية من الولوج إلى آليات التمويل المختلفة، وصيغ الدعم العمومي الأخرى المتاحة من جهة، وتشجيع الشراكات مع القطاع الاقتصادي من جهة أخرى، بالإضافة على تعزيز آليات المتابعة والتقييم.







