شروط واضحة للعودة لعدم تكرار تجارب مريرة عنوانها التجنيد الأجنبي
قطـع الطريـق أمام توظيـف المعاناة في حملات التشويه والإساءة
منصوري: الوهم الرقمي يدفع الشباب للهاوية وقرار الرئيس طوق نجاة
«يد ممدودة».. وفتح مسارات جامعة لكل الجزائريـين دون إقصـاء
مواجهة “أوهـام الهجـرة“ واستعادة الشبـاب الضائع والتائـه
يمثل قرار تسوية وضعية الجزائريّين المتواجدين بالخارج في وضعيات غير قانونية وهشّة، الصادر عن مجلس الوزراء، محطة سياسية واجتماعية بالغة الدلالة خاصة في هذا التوقيت المهم، من حيث الخلفية العامة التي تحكمه، والسّياق الذي جاء فيه، فالقرار الذي أصدره رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، وبالتوافق التام بين كل مؤسّسات الجمهورية، يعكس مقاربة مختلفة في التعامل مع ملف حساس، ويشير إلى انتقال واضح من منطق المعالجة الأمنية أو الإدارية المحض، إلى منطق الاحتواء والمسؤولية الوطنية.
لا يمكن فصل هذا التوجّه عن الخطاب العام الذي تبناه رئيس الجمهورية، والقائم على مبدأ «اليد الممدودة» وفتح مسارات جامعة لكل الجزائريّين دون إقصاء، باعتبار أنّ الجبهة الداخلية تبقى النواة الأساسية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، ومن هذا المنظور، يأتي القرار ليترجم هذا الشعار إلى إجراء عملي يمسّ فئة واسعة من الجزائريّين الذين وجدوا أنفسهم، لأسباب متعدّدة، خارج الوطن وفي وضعيات هشّة وغير قانونية.
واللافت في هذه الخطوة، أنّ الدولة لم تنطلق من قراءة تبسيطية أو أخلاقية لظاهرة الهجرة غير النظامية، بل تعاملت معها كنتاج تراكمي لعوامل نفسية واجتماعية وثقافية، إلى جانب العوامل الاقتصادية المعروفة، فالكثير من هؤلاء الشباب لم يغادروا البلاد بدافع الفقر المطلق، وإنما تحت تأثير خطاب مهيمن في بعض منصّات التواصل الاجتماعي، يصوّر الهجرة كخلاص فردي، وحلم سريع التحقيق، دون إبراز كلفة الاغتراب ومخاطره، وعندما يصطدم الشاب الجزائري هناك بواقع مغاير، يجد نفسه في دائرة هشاشة معقّدة، تجعل عودته صعبة وخياراته محدودة.
إنّ قرار رئيس الجمهورية يكتسي بعدا سياديا واضحا، من خلال تحصين هؤلاء الشباب من محاولات الاستغلال الخارجي، فالأوضاع التي يعيشونها غالبا ما تتحول إلى مدخل لاستخدام الأفراد في حملات تشويه أو ضغط سياسي، أو حتى في أنشطة إجرامية، بما يسيء لهم أولا، ولبلدهم ثانيا، ومن هنا، فإنّ فتح باب العودة وتسوية الوضعية القانونية يمثل خطوة وقائية بقدر ما هو إجراء إنساني، يقطع الطريق أمام أي توظيف عدائي لمعاناة فردية.
ويؤكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، عبد القادر منصوري، في تصريح لـ»الشّعب»، أنّ قرار رئيس الجمهورية يندرج ضمن تصور أوسع يتعلّق بتقوية الجبهة الداخلية وبناء إجماع وطني، ويوضّح أنّ «اليد الممدودة» تتعدى كونها خطابا ظرفيا، بحكم أنها خيار استراتيجي يسعى إلى إعادة ربط الجزائري بوطنه، أينما كان، على أساس الثقة والمسؤولية المتبادلة، كما يشير إلى أنّ العديد من الجزائريّين في الخارج انقطعت بهم السبل فعلا، وهم في وضعيات هشّة تجعلهم عرضة للاستغلال من أطراف معادية للجزائر، تستثمر في معاناتهم لضرب صورة الدولة أو وحدتها الداخلية.
ويبرز منصوري أنّ الدوافع النفسية تلعب دورا مركزيا في قرار الهجرة، خاصة لدى فئة الشباب، حيث يخلق الخطاب الرّقمي السائد صورة وردية عن الخارج، سرعان ما تتهاوى أمام واقع صعب، من العمل غير المستقر، إلى العيش على هامش المجتمعات المستقبلة.. هذه الوضعية – يضيف منصوري – تفرز شعورا بالغربة المضاعف.. غربة عن الوطن وغربة داخل بلد الإقامة، وهو ما يفسّر أهمية فتح نافذة عودة تحفظ الكرامة وتعيد الاعتبار.
ويرى متابعون أنّ النداء الذي وجّهه رئيس الجمهورية إلى الشباب الجزائري المقيم بالخارج، لا سيما من يتواجدون في وضعيات هشّة، يمكن أن يشكّل نقطة قوية لتعزيز الجبهة الداخلية وتحصينها، وقطع الطريق أمام محاولات استغلال هذه الفئة من طرف أطراف معادية للجزائر للمساس بالوحدة الوطنية.
ويشدّد إعلاميّون على أهمية تحصين الأمن الإعلامي، خاصة الخطاب الموجّه إلى الشباب والمراهقين، في ظلّ انتشار محتوى تضليلي يروّج للهجرة باعتبارها الخلاص الوحيد، رغم أنّ الواقع العملي يثبت – في كثير من الحالات – عكس ذلك، ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة مراقبة طبيعة المحتوى الموجّه لهذه الفئة، وتعزيز حضور خطاب توعوي متوازن، إلى جانب العمل على إدماج الشباب في سوق العمل في سنّ مبكرة، بما يقلّل من قابلية التأثر بالمغالطات ويحدّ من محاولات التلاعب بوعيهم، لاسيما وأنّ هذه الفئة تعد الأكثر عرضة للتأثر بالخطابات الموجّهة مقارنة بغيرها.


