لم يعد الاحتفال برأس السنة الأمازيغية “يناير” مجرد تقليد ثقافي عابر، بل أصبح مؤشرا على تحوّل عميق في مقاربة الهوية الوطنية في الجزائر، حيث يعكس إرادة رسمية وشعبية لحماية التراث وتعزيز الأمن الهوياتي، عبر تكريس الثقافة الأمازيغية دستوريا ومؤسساتيا، ودعم الإبداع والبحث فيها، باعتبارها رافدا أصيلا من روافد الهوية الجامعة والمنسجمة مع مسار التاريخ الوطني والتعدّد الثقافي وبناء دولة متماسكة مستقرة.
يشكّل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية “يناير” محطة دالة في مسار تثمين الهوية الوطنية الجزائرية، لما يحمله من أبعاد ثقافية وتاريخية تُسهم في حماية التراث الوطني وتعزيز الأمن الهوياتي، وليس ذلك فعلا رمزيا معزولا، بل يندرج ضمن رؤية أشمل لتكريس الثقافة الأمازيغية بوصفها مكونا أصيلا من مكونات الهوية الجزائرية، وهو ما تجلى في جملة من الإجراءات الدستورية والمؤسساتية، من أبرزها دسترة الأمازيغية وترقية حضورها في الفضاءين الثقافي والرسمي.
دسترة الأمازيغية.. اعتراف وتثمين
يُقِرّ الدستور الجزائري (دستور 2020) بالأمازيغية كمكوّن هوياتي أصيل من خلال ربطها بتاريخ الأمة الممتد منذ العهد النوميدي، وإدراجها ضمن ثلاثية الهوية الوطنية إلى جانب الإسلام والعروبة.
ومما جاء في ديباجة الدستور: “الشعب الجزائري شعب حرّ، ومصمم على البقاء حرّا؛ فتاريخه الممتدة جذوره عبر آلاف السنين سلسلة متصلة الحلقات من الكفاح والجهاد، جعلت الجزائر دائما منبت الحرية، وأرض العزة والكرامة.. لقد عرفت الجزائر في أعزّ اللحظات الحاسمة التي عاشها حوض البحر الأبيض المتوسط، كيف تجد في أبنائها، منذ العهد النوميدي، والفتح الإسلامي، حتى الحروب التحريريّة من الاستعمار، روّادا للحرية، والوحدة والرقيّ، وبناة دول ديمقراطيّة مزدهرة، طوال فترات المجد والسلام.
وكان أول نوفمبر 1954 وبيانه المؤسس نقطتي تحوّل فاصلة في تقرير مصيرها وتتويجا عظيما لمقاومة ضروس، واجهت بها مختلف الاعتداءات على ثقافتها، وقيمها، والمكوّنات الأساسيّة لهويتها، وهي الإسلام والعروبة والأمازيغية، التي تعمل الدولة دوما لترقية وتطوير كل واحدة منها، وتمتدّ جذور نضالها اليوم في شتّى الميادين في ماضي أمّتها المجيد”.
كما نجد في نفس الديباجة: “إنّ الجزائر، أرض الإسلام، وجزء لا يتجزّأ من المغرب العربيّ الكبير، وأرض عربيّة وأمازيغية، وبلاد متوسّطيّة وإفريقيّة تعتزّ بإشعاع ثورتها، ثورة أوّل نوفمبر، ويشرّفها الاحترام الّذي أحرزته، وعرفت كيف تحافظ عليه بالتزامها إزاء كلّ القضايا العادلة في العالم”.
ولا يكتفي الدستور بالاعتراف الرمزي، بل يمنح الأمازيغية مكانة قانونية صريحة كلغة وطنية ورسمية، ويُلزم الدولة بترقيتها مؤسساتيًا ولسانيًا. ويُقدَّم هذا الاعتراف في الإطار الدستوري بوصفه عنصرًا داعمًا للوحدة الوطنية وحافظًا للذاكرة التاريخية، لا عامل انقسام، حيث نجد المادة الرابعة من الدستور تنصّ صراحة على أن: “تمازيغت هي كذلك لغة وطنيّة ورسميّة”، وتضيف: “تعمل الدّولة لترقيتها وتطويرها بكل تنوّعاتها اللّسانيّة المستعملة عبر التراب الوطني. يُحدث مَجمع جزائري للغة تمازيغت يوضع لدى رئيس الجمهورية. يستند المجمع إلى أشغال الخبراء، ويكلّف بتوفير الشروط اللاّزمة لترقية تمازيغت قصد تجسيد وضعها كلغة رسميّة فيما بعد تحدّد كيفيّات تطبيق هذه المادّة بموجب قانون عضوي”.
وفي انسجام مع التصوّر الدستوري للهوية الوطنية بوصفها رصيدًا جماعيًا يجب حمايته وترسيخه، يربط الدستور بين بناء المؤسسات، وصون الوحدة الوطنية، وترقية الذاكرة التاريخية باعتبارها عنصرا أساسا في الحفاظ على تماسك الأمة واستمراريتها. حيث تنصّ المادة التاسعة من الدستور على أن الشعب “يختار لنفسه مؤسّسات” لغايات من بينها “المحافظة على الهوّيّة والوحدة الوطنيتين، ودعمهما”. ومما ورد في المادة 80: “تعمل الدولة على ترقية كتابة تاريخ الأمة وتعليمه للأجيال الناشئة”.
المحافظة السامية.. إشعاع وحماية
المحافظة السامية للأمازيغية هي مؤسسة رسمية تحت وصاية رئاسة الجمهورية، وتستند إلى مجموعة من النصوص المؤسسة، على غرار المرسوم الرئاسي رقم 147 – 95 المؤرخ في 27-05-1995 المتضمّن إنشاء محافظة عليا مكلفة بردّ الاعتبار للأمازيغية وترقية اللغة الأمازيغية، والمرسوم الرئاسي رقم 96-57 المؤرخ في 27 يناير 1996 المتضمّن التنظيم الداخلي لإدارة المحافظة السامية المكلفة بردّ الاعتبار للأمازيغية وترقية اللغة الأمازيغية، والمرسوم الرئاسي رقم 96-58 المؤرخ في 27 يناير 1996 المتضمن تحديد التعويضات التي تمنح لأعضاء المجلس العام للتوجيه والمتابعة في المحافظة السامية المكلفة بردّ الاعتبار للأمازيغية وترقية اللغة الأمازيغية.
أما مهام المحافظة السامية للأمازيغية فهي محدّدة بوضوح في المادة الرابعة من المرسوم الرئاسي 95-147 المؤرخ في 27-05-1995، ويتعلق الأمر بـ«ردّالاعتبار للأمازيغية وترقيتها بكونها أحد أسس الهوية الوطنية”، و«إدخال اللغة الأمازيغية في منظومتي التعليم والاتصال”.
ووفقا لكلمة الأمين العام للمحافظة، سي الهاشمي عصاد، المنشورة على موقعها الرسمي، فإن “المحور الأساسي لإستراتيجية المحافظة السامية للأمازيغية هو ضمان إشعاع اللغة الأمازيغية في جميع أنحاء التراب الوطني”. وفي سياق متصل، تسعى المحافظة السامية للأمازيغية إلى أن تكون خزّانا وبنك معلومات “لنفض الغبار على جانب من جوانب الهوية الوطنية وبالتالي سدا منيعا ضدّ خطر اندثار بعض متغيرات اللغة الأمازيغية المنتشرة عبر الوطن، الدالة على أن هناك تعدّد لساني متجذر وأصيل في الجزائر”.
كما تقوم المحافظة السامية للأمازيغية “ببذل مجهود تكويني موجّه لمختلف الفئات التي توظّف اللغة الأمازيغية كوسيلة للتعبير وأداة للعمل والممارسة، وهنا نخص بالذكر: أعضاء هيئة التدريس، ممثلي الحركة الجمعوية، حاملي مشاريع متصلة بتثمين والحفاظ على التراث اللامادي والصحفيين الذين يمارسون عملهم في إطار منظومة الاتصال الوطنية. ومن الواضح أن إعداد معاجم المصطلحات والمفاهيم يعدّ أمرا مهما ووسيلة عمل ضرورية لهذه الفئات بغية توظيفها في مختلف مجالات الأنشطة من علوم دقيقة، سياسة، اقتصاد، فن، رياضة، وما إلى ذلك”.
وتولي المحافظة اهتماما كبيرا للمعرفة التاريخية من خلال التنظيم المستمر للملتقيات الهادفة إلى إعادة الاعتبار للتاريخ والهوية الوطنية، خاصة وأن الجزائر “قلعة شامخة لبدايات الثقافة البشرية”، و«مهد آخر للإنسانية في أفريقيا” حسب حفريات عين لحمش-عين بوشريط بولاية سطيف.
جائزة رئيس الجمهورية.. إبداع واستدامة
«جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية” مسابقة وطنية تنظّمها المحافظة السامية للأمازيغية لتشجيع الإبداع والبحث في اللغة والثقافة الأمازيغية، وتُفتَح للجزائريين داخل وخارج الوطن في مجالات اللسانيات، التراث اللامادي، الأدب، والعلوم والتكنولوجيا، وتُسلم للفائزين في احتفالات رأس السنة الأمازيغية “يناير”.
وقد وصلت الجائزة طبعتها السادسة هذا العام، وفي ذلك تحدث عصاد، في حوار نشرته “الشعب” مطلع الأسبوع الجاري، عن النجاح في “إرساء تقاليد منافسة شريفة وشفافة، تقوم على تقييم علمي وموضوعي تشرف عليه لجنة تحكيم مستقلة، تضطلع بدور محوري في ضمان مصداقية هذه الجائزة التي تحمل اسم أسمى تقليد في الدولة، عنوانه السيد رئيس الجمهورية”، مشيدا بالعناية الخاصة التي يوليها رئيس الجمهورية لترقية اللغة الأمازيغية، كلغة وطنية ورسمية، “لا تظلّ حبيسة النصوص الدستورية أو الخطابات الرمزية، بل تتجسّد فعليًا من خلال آليات عملية ومستدامة”، من أبرزها هذه الجائزة.
كما أكد عصاد نجاح المحافظة “في بناء قاعدة صلبة تضمن استمرارية الجائزة كآلية مؤسساتية تضيف قيمة حقيقية لمسار ترقية اللغة الأمازيغية، بعيدًا عن الظرفية أو المناسباتية”.
وأضاف بأن “الأثر العملي للجائزة لا يتوقف عند التتويج فحسب، بل يتجسّد في كون جميع الأعمال الفائزة قد تمّ نشرها في شكل كتب أو تطويرها في صيغة تطبيقات تعليمية، لتكون في متناول المهتمين والباحثين والمتعلمين، وهو ما يمنح للجائزة بعدًا تنمويًا ومعرفيًا، ويكرس دورها كأداة فعلية لإثراء الرصيد اللغوي والثقافي الوطني.”






