بعد ما يزيد على عقد ونصف العقد من الأزمة السياسية والمسارات المؤقتة، يعلّق الليبيون آمالهم على إجراءات الاستحقاقات الانتخابية لبدء مرحلة جديدة.
في خطوة ملموسة تعكس إدراك الليبيين لحساسية المرحلة، توصّل “المسار الأمني للحوار المهيكل”، إلى توافق على حزمة خطوات أمنية ضرورية، تهدف إلى تحصين الاستحقاق الانتخابي المقبل ومنع تأجيله مرة أخرى، في ظل قناعة متزايدة بأن الأمن بات المدخل الحاسم لضمان انتخابات نزيهة تحظى بثقة الشارع وتحترم نتائجها.
والحوار المهيكل في ليبيا هو مسار سياسي-مؤسسي أُطلق لتنظيم النقاش بين الأطراف الليبية المختلفة ضمن إطار واضح، بقواعد وجدول أعمال محددين، تقوده البعثة الأممية للدعم في البلاد.
وقالت البعثة الأممية، في بيان لها نشر السبت على موقعها الإلكتروني، إنه خلال اجتماعات امتدّت خمسة أيام، من 18 إلى 22 جانفي الجاري، في العاصمة طرابلس، حدّد المسار الأمني جملة توصيات عملية لتعزيز أمن العملية الانتخابية.
وشملت التوصيات بحسب البيان، تحسين التنسيق بين المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ووزارة الداخلية والسلطة القضائية، إلى جانب إشراك منظمات المجتمع المدني، وبناء قدرات إدارة أمن الانتخابات، وتطوير الشرطة المتخصصة، فضلاً عن إعداد مدونة سلوك تلتزم بها الجهات السياسية والأمنية والاجتماعية الفاعلة.
وأوضح البيان أنّ هذا التوافق جاء ثمرة حوار جمع ممثلين عن مؤسسات ليبية وفاعلين أمنيين ومنظمات مجتمع مدني من مختلف مناطق البلاد، بتيسير من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التي اعتبرت أن هذه المخرجات تمثّل ركيزة أساسية للحوار المهيكل الهادف إلى معالجة جذور النزاع وبناء مؤسسات دولة قادرة على تأمين انتقال سياسي مستدام.
مقاربة متماسكة
وأكّدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، أن التحديات التي رافقت العمليات الانتخابية السابقة أبرزت الحاجة إلى مقاربة أكثر تماسكاً لأمن الانتخابات، مشدّدة على أنّ استخلاص الدروس ومنع تكرار الإخفاقات السابقة يمثّلان شرطاً أساسياً لتعزيز ثقة المواطنين في أي استحقاق مقبل.
وتلقّى المشاركون إحاطات مفصّلة من المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وغرفة عمليات أمن الانتخابات بوزارة الداخلية، ومجلس الأمن القومي، استعرضت أبرز التحديات الميدانية، وفي مقدمتها الاعتداءات التي طالت مراكز اقتراع خلال الانتخابات البلدية الماضية، ومحاولات عرقلة التصويت، والثغرات في تسجيل المترشحين، إلى جانب نقص الموارد وضعف الجاهزية في بعض المؤسسات المعنية.
تحدّي الانقسام السّياسي
وأجمع أعضاء المسار الأمني على أنّ الانقسامين السياسي والمؤسّسي لا يزالان يشكّلان خطراً مباشراً على أمن الانتخابات، محذّرين من تأثير انتشار السلاح، وخطاب الكراهية، والمعلومات المضللة.
وفي هذا السّياق، شدّد المشاركون على أن تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، بدعم من المجتمع الدولي والأمم المتحدة، يشكّل عاملاً حاسماً لردع المعرقلين وفرض جزاءات واضحة بحق من يسعى لتقويض المسار الانتخابي.
قبول النّتائج
وأظهرت نتائج استطلاع رأي أجرته بعثة الأمم المتحدة، وشارك فيه أكثر من 1000 شخص، أن ما يزيد على 60 % من الليبيين يرون أن نجاح الانتخابات مرهون بتعهد جميع الأطراف بقبول نتائجها ومنع النزاع بعدها، فيما اعتبر 72 % أن توسيع المشاركة المجتمعية، وتعزيز دور المجتمع المدني ينعكسان إيجاباً على العملية السياسية.
كما أوصى المسار الأمني بتكثيف تدريب النساء للمشاركة في تأمين الانتخابات، وضمان دمج الأشخاص ذوي الإعاقة عبر إتاحة مراكز الاقتراع بشكل كامل، باعتبار ذلك جزءاً لا يتجزأ من نزاهة العملية الانتخابية. ويعكس هذا التوافق الأمني إدراكاً متنامياً لدى الليبيين بأن تأمين الانتخابات لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية عاجلة لكسر حلقة التعطيل المتكررة.
اجتماع “الآلية الثلاثية”
في الأثناء، عقد بتونس وزراء خارجية كل من مصر والجزائر و تونس اجتماعا في إطار آلية التشاور الثلاثي حول ليبيا بحضور المبعوثة الأممية الخاصة هانا تيته.
وجاء الاجتماع في إطار التنسيق والتشاور بين الثلاثي، بشأن مستجدات الأوضاع في جارتهم ليبيا. كما جاء في إطار “دعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار، والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، بما يسهم في تلبية تطلعات الشعب الليبي الشقيق نحو الأمن والاستقرار والتنمية”.
وهذه الآلية الثلاثية بين مصر والجزائر وتونس تمّ تدشينها عام 2017 وتوقّفت في 2019، ثم أُعيد تفعيلها عام 2025، “انطلاقا من حرص الدول الثلاث على دعم الأمن والاستقرار في ليبيا”.
