دور حقيقي لآليـات الرقابـة الدستوريــة في مرافقـة المسـار
أوضح المحلل السياسي، زاوي رابح في تصريح لـ»الشعب» أن التعديل الدستوري الجاري التحضير له يندرج في إطار «تقني» محض، ويهدف، حسبه، إلى سدّ الثغرات التي أفرزتها الممارسة العملية لدستور 2020، ولا يرقى إلى مستوى مراجعة سياسية تمسّ الخيارات الجوهرية للنظام الدستوري.
قال زاوي إن الاستقرار على تعديل الدستور وقانون الانتخابات، جاء بعد أكثر من خمس سنوات من تطبيق أحكام الدستور، حيث كشفت التجربة عن ملاحظات مرتبطة ببعض المواد المتعلقة بتنظيم سير المؤسسات الدستورية، ما استدعى التفكير في إدخال تعديلات محدودة لتحسين الأداء وضمان حماية أكبر للحقوق والحريات، مع التأكيد على أن هذه التعديلات محصورة في عدد معيّن من النقاط ولا تمسّ بالأسس الكبرى للدستور.
وأشار الأستاذ زاوي رابح إلى أن مصطلح «التعديل التقني»، رغم كونه جديدًا نسبيا في التجربة الدستورية الجزائرية، يُقصد به معالجة الاختلالات الناتجة عن التطبيق العملي للنص الدستوري، وتفادي التأويلات التي قد تخرج عن روحه ومقاصده، موضحًا أن هذا النوع من التعديلات لا يطال الجوانب الموضوعية أو الجوهرية للوثيقة الدستورية، بل يقتصر على جوانب إجرائية تضمن انتظام عمل المؤسسات الدستورية.
وأضاف أن جزءا معتبرا من هذا التعديل جاء استجابة لنقائص فعلية برزت في الواقع، خاصة تلك المتعلقة بتنظيم الانتخابات، وتحديد صلاحيات بعض الهيئات، وشروط الالتحاق ببعض المناصب العليا، غير أنه يُقدَّم في الخطاب الرسمي كذلك على أنه تحيين تقني يندرج ضمن مسار تطوير المنظومة القانونية وتعزيز دولة القانون.
وأوضح المحلل زاوي أن هذه التعديلات شملت، من بين أبرز النقاط، ضبط مراسم أداء اليمين الدستورية بشكل أكثر وضوحًا، لضمان احترام الإجراءات الدستورية لكل مسؤول رفيع المستوى، وتنظيم الرخص الانتخابية وربطها بمعايير واضحة تمنع أي التباس في المسار الانتخابي.
كما توسّعت المهام الرقابية للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وأصبح من الضروري استيفاء شروط تعليمية معيّنة للمرشح للرئاسة، وهي تدابير وصفها الأستاذ زاوي بالرادعة لضمان نزاهة المسابقة الانتخابية وتعزيز مصداقية المؤسسات.
وقال إن هذه التدابير، رغم بساطتها الظاهرية، تؤدي إلى تحسين الفعالية الإجرائية للمؤسسات، وتسهيل عملها اليومي، خصوصًا في المسائل التي تتطلب تنسيقًا عاليًا بين مختلف الهيئات.
كما أشار الأستاذ زاوي رابح إلى أن هذه التعديلات التقنية توفر أيضًا إمكانية تحسين الاستجابة القانونية للملفات المعقدة، مثل حالات الطعون الانتخابية أو المنازعات المتعلقة بصلاحيات الهيئات، إذ أصبحت المواد الدستورية أكثر وضوحًا وتحديدًا، ما يقلص فرص التفسيرات المتعددة.
وأضاف أن هذا التوضيح الإجرائي يساهم في تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات، ويؤكد أن المسعى لا يهدف إلى أي تغيير سياسي جذري، بل إلى تطوير آليات العمل داخل المؤسسات الدستورية بما يضمن استمرارية أداء الدولة وفق قواعد واضحة ومعلنة.
وتابع الأستاذ زاوي رابح قائلا «هناك نقطة مهمة لم يلتفت إليها كثيرون عند مناقشة هذه التعديلات، وهي القدرة على التعامل مع الحالات الاستثنائية داخل المؤسسات الدستورية».
ولفت إلى أن الجانب الوقائي يضيف بعدا عمليا للتعديل، ويؤكد أن الهدف ليس مجرد تعديل شكلي، بل تعزيز قدرة الدولة على الصمود والاستجابة بمرونة ضمن إطار دستوري واضح، وهو ما يُغفل غالبا في التحليلات التقليدية التي تركز على الأبعاد السياسية فقط.
كما اعتبر المتحدث أن احترام المسار الدستوري في إعداد ومناقشة هذه التعديلات، من خلال عرضها على مجلس الوزراء، ثم مناقشتها ضمن الأطر السياسية والمؤسساتية، قبل إحالتها إلى البرلمان، يشكّل في حد ذاته ضمانة سياسية ومؤسساتية لإبقاء التعديل في إطاره التقني المحدد.
وأكد بأن فعالية هذه الضمانات تبقى مرهونة، في نهاية المطاف، بمدى الالتزام بروح الدستور في التطبيق والممارسة، وبالدور الحقيقي لآليات الرقابة الدستورية والسياسية في مرافقة هذا المسار وضمان عدم خروجه عن أهدافه المعلنة.

