بلورين لـ«الشعب»: الدولة الجزائرية تمتلك فهمًا دقيقًا لتعقيدات المشهد الليبي
تضارب الأجندات الدولية أسهم في إرباك المسار السياسي الليبي
في إطار مواصلة التنسيق الإقليمي حول تطورات الأزمة الليبية، انعقد الاجتماع الوزاري للآلية الثلاثية لدول الجوار، حيث جدد وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج أحمد عطاف التأكيد على أهمية هذا الإطار في متابعة مستجدات الوضع في ليبيا وبحث سبل دعم الأشقاء الليبيين في مسار الخروج من الأزمة.
خلال الاجتماع، أوضح عطاف أن انعقاد دورة جديدة للآلية بتونس يأتي في سياق يتطلب تكثيف التشاور بين دول الجوار، باعتبارها الأطراف الأكثر تماسًا مع تداعيات الأزمة الليبية، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الإنساني، وأكد أن هذه الآلية تتيح تبادل الرؤى حول كيفية مرافقة الليبيين بما يساعدهم على تجاوز حالة الانقسام، والحفاظ على وحدة دولتهم وسيادتها واستقلال قرارها الوطني.
وفي هذا السياق، أعاد وزير الخارجية التذكير بالموقف الثابت للجزائر منذ بداية الأزمة الليبية، والقائم على ضرورة أن يكون الحل ليبيًا خالصًا، نابعًا من إرادة الليبيين أنفسهم، دون أي تدخل أجنبي. وهذا الموقف، الذي عبّرت عنه الجزائر باستمرار في المحافل الإقليمية والدولية يعد قراءة سياسية أثبتت الوقائع مع مرور السنوات صحتها، بعدما بيّن التدخل الخارجي بمختلف أشكاله أنه أحد الأسباب الرئيسية في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها وتعميق الانقسامات داخل الساحة الليبية.
وترى الجزائر أن التدخلات الخارجية، وتضارب الأجندات الدولية، أسهما في إرباك المسار السياسي الليبي، وأضعف فرص التوصل إلى تسوية دائمة، وهو ما يجعل من دعم الحوار الداخلي بين الليبيين الخيار الوحيد القابل للحل. ومن هذا المنطلق، تواصل الجزائر الدفاع عن مقاربة تقوم على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين، وتشجيع الحلول التوافقية التي تحافظ على مؤسسات الدولة وتمنع انزلاق البلاد نحو مزيد من الفوضى.
كذلك، حمل الاجتماع الوزاري جوانب سياسية ترتبط بالعلاقات الجزائرية التونسية، خاصة وأنه تزامن مع التحضير لإحياء ذكرى ساقية سيدي يوسف، التي تحتل مكانة خاصة في الذاكرة المشتركة للبلدين، هذه الذكرى، بما تحمله من دلالات تاريخية، تعكس عمق الروابط التي تجمع الشعبين، وتشكل مرجعية معنوية في مسار التعاون الثنائي.
حرص جزائري على العمل المشترك مع تونس
وفي هذا السياق، نقل أحمد عطاف إلى الرئيس التونسي قيس سعيّد تحيات رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون وتهانيه بهذه الذكرى، مؤكدا حرص رئيس الجمهورية على مواصلة العمل المشترك مع نظيره التونسي من أجل تعزيز العلاقات الثنائية وتطويرها بما يخدم مصالح البلدين والشعبين.
كما شدد عطاف على أن التنسيق الجزائري التونسي لا يقتصر على القضايا الثنائية، بل يمتد ليشمل القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الملف الليبي، انطلاقًا من قناعة مشتركة بأهمية الاستقرار في الجوار المباشر، وضرورة التعامل مع الأزمات بروح المسؤولية والحوار، بعيدًا عن منطق التصعيد أو فرض الحلول.
ويعد هذا الاجتماع استمرار المقاربة الجزائرية التي تقوم على العمل الهادئ والمتدرج، مع التركيز على دعم المسارات الإقليمية التي تحترم سيادة الدول ووحدة أراضيها. فبالنسبة للجزائر، من الصعب جدا الفصل بين استقرار ليبيا واستقرار محيطها، كما لا يمكن تصور تسوية حقيقية دون معالجة آثار التدخلات الأجنبية التي أثقلت المشهد الليبي وأفقدته توازنه.
وفي قراءة تحليلية لمسار التعاطي الجزائري مع الأزمة الليبية، يؤكد الدكتور بلورين عبد الحميد أستاذ الدراسات الأمنية، في تصريح لـ»الشعب» أن الجزائر حذّرت منذ بداية الأزمة من تداعيات التدخلات الأجنبية، ليس فقط على الداخل الليبي، بل على الأمن الإقليمي ككل، وخاصة منطقة الساحل.
ويشير المتحدث إلى أن الدول الكبرى تدرك جيدًا أن الدبلوماسية الجزائرية تمتلك فهمًا دقيقًا لتعقيدات المشهد الليبي، وتوازنات اللاعبين الرئيسيين فيه، وتعي أن بعض الأطراف الخارجية تسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة لتحقيق أهداف ضيقة، وأحيانًا ضمن أجندات أوسع تمس أمن المنطقة برمتها. ويضيف بلورين أن هذا الوعي هو ما جعل الجزائر متمسكة بخيار الحل السياسي ورافضة لأي مقاربات عسكرية أو تدخلية أثبتت فشلها.
وفي هذا الإطار، يعتبر بلورين أن الآلية الثلاثية لدول الجوار تمثل أداة مهمة في مسار تنسيق الجهود الإقليمية لحل الأزمة الليبية، على اعتبار أن هذه الدول هي الأكثر تأثرًا بما يحدث داخل ليبيا، ولا تحمل أي نوايا عدائية تجاه أي طرف ليبي. ويؤكد أن هذه الآلية تشكل أحد المداخل الأساسية لتحقيق حل سياسي وأمني مستدام، قائم على التوافق، ويمكن قبوله من مختلف الأطراف الليبية، بعيدًا عن الضغوط الخارجية والحسابات غير المرتبطة بمصلحة الشعب الليبي.


